في مشهدٍ يختلط فيه صدى الخطى بنبض القصيد، ارتفع صوت «التغرودة» في ساحات الشارقة ليحمل الحضور إلى فضاءات الصحراء الأولى، حيث ظلّ حداء الإبل لقرون بعيدة هو لغة الرحلة ورفيق الطريق. ومع مرور القوافل بين الزوار، استعاد الجمهور صفحة حيّة من الذاكرة البدوية، تتردد فيها الأهازيج كما لو أن الزمن يعيد سرد حكايته.وتحوّلت ساحات فعاليات أيام الشارقة التراثية إلى مسرح مفتوح حين عبرت الجمال مردّدة أبيات «التغرودة» بإيقاع متناغم مع وقع المسير، فالتفّ الزوار حول الركبان منصتين وموثقين اللحظة بالصور والمقاطع المصوّرة. ومنح هذا الحضور التفاعلي الجمهور فرصة نادرة لمعايشة أحد أقدم الفنون الشفهية المرتبطة بحياة البدو وأسفارهم.ويحظى فن «التغرودة» بمكانة ثقافية راسخة، إذ أدرج ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي لدى اليونسكو منذ عام 2012، لما يجسده من قيم اجتماعية مثل الرفقة والشهامة والتواصل الإنساني في البيئات الصحراوية.وأكد د.عبد العزيز المسلم، رئيس معهد الشارقة للتراث، أن حضور «التغرودة» في الفعاليات يعكس الحرص على تقديم الفنون البدوية في سياقها الطبيعي، بوصفها ذاكرة حيّة لا مجرد عرض تراثي، بل صوت إنسان ارتبط بالأرض والرحلة عبر الأزمنة.وبهذا المشهد السمعي والبصري المتكامل، استعادت «التغرودة» حضورها بوصفها فناً نابضاً بالحياة، يعبر الأجيال ويصل الماضي بالحاضر. وهكذا تواصل ساحات أيام الشارقة التراثية دورها فضاءً مفتوحاً يعيد تقديم روح الصحراء، حيث ما تزال القصيدة تُنشد، والطريق يُروى، والذاكرة تتجدّد.