تحذير: تحتوي هذه المراجعة على حرق كامل للحلقة 5 من الموسم 3 من House of the Dragon. للاطلاع على مراجعة الحلقة 1 هنا. و 2 هنا. و 3 هنا. و 4 هنا. إذا كانت الحلقتان الأولى والثانية قد أوحتا بأن الحرب تميل تدريجياً لصالح راينيرا، فإن الأحداث بدأت منذ جلوسها على العرش تسير بالاتجاه المعاكس تماماً. لم تعد المشكلة في قوة أعدائها بقدر ما أصبحت في المشاكل التي تبدأ صغيرة وتتعاظم، فتدفع الأحداث إلى الأمام ككرة ثلج تتدحرج وتكبر مع كل حلقة. والأسوأ أن راينيرا نفسها تنشغل بخطر واحد فقط، بينما تتراكم من حولها أزمات أخرى قد تكون أشد خطورة مما تظن. ورغم أن الحلقة لا تقدم مواجهة ضخمة بين التنانين، فإنها تحافظ على التوتر طوال الوقت، لأنها تجعلنا نشعر أن كل شخصية تتحرك في اتجاه مختلف، بينما تقترب خيوط الحرب شيئاً فشيئاً من الاصطدام. يستمر اسم تامبلتون في الظهور، لكن هذه المرة كمحرك للأحداث. فبينما يحاول اللورد أوسكار تولي إيصال جيش ريفرلاند إلى المدينة، يثبت كريستن كول مرة أخرى أنه يفكر بدهاء في هذا الصراع متخلياً عن قانون الفرسان والقتال بشرف، معتمداً بدلاً من ذلك على الخداع والاستنزاف. فهو لا يبحث عن مواجهة مباشرة، بل يعتمد على إنهاك خصومه، فيحرق الجسور ويجبرهم على تغيير مسارهم، ثم يهاجمهم في الوقت المناسب قبل أن يواصل استنزافهم خطوة بعد أخرى. لكن بالمقابل كان من المثير للحماس رؤية أوسكار تالي يتصرف بشكل أكثر دهاءً منه رغم صغر سنه، وبدلاً من الوقوع بفخ كريستن من خلال فقدان أعصابه ومحاولة التصدي لهم مباشرة، يرفض الاستماع لنصائح حلفائه الأكبر سناً منه ويضاهي كريستن بالذكاء من خلال لعب نفس لعبته معه ليكسب الأفضلية عليهم ويتركهم بموقف يائس. لكن المثير للاهتمام أن دافع كريستن لم يعد يشبه ما رأيناه في المواسم الماضية. لم يعد يقاتل لأنه يؤمن بقضيته أو طمعاً بالمجد، بل لأنه يبدو مستعداً للموت إذا كان ذلك سيضمن أن يُذكر اسمه في التاريخ. وحتى خطابه أمام غواين هايتاور يعكس هذه الفكرة بوضوح، فهو يتحدث عن النهاية التي يريدها أكثر مما يتحدث عن النصر. ولو نظرنا إلى رحلته منذ الموسم الأول، سنجد أنها انقلبت بالكامل. ففي البداية كان يبحث عن الشرف، ثم قاده سقوطه إلى الانتقام، أما اليوم فلم يعد يبحث عن أي منهما، بل عن الخلود. يبدو وكأنه أدرك أن فرص نجاته تتضاءل، لذلك أصبح كل همه أن يتحول إلى أسطورة تُروى بعد موته. وهذا ما يجعله أكثر خطورة، لأن القائد الذي لم يعد يخشى الموت قد يقدم على قرارات لا يجرؤ غيره على اتخاذها. ولا أستبعد أن يقوده هذا الطريق إلى نهاية مأساوية قريباً، لكن بعد أن يترك بصمة كبيرة في مجريات الحرب. ونرى أن غواين أدرك ذلك أخيراً بعدما أخذ وقتاً أكثر من اللازم، وبعد محاولة أخيرة يائسة لمد يده لكريستن الذي أصبح يعتبر صديقاً وإخباره أنه له مكان معه في هايتاور، يغادر غواين بعدما فقد الأمل ليترك كريستن يواجه مصيره الذي اختاره. وفي المقابل، يواصل أورموند هايتاور إثبات أنه أحد أكثر الشخصيات دهاءً في المسلسل، رغم أن ظهوره هذه الحلقة محدود نسبياً. فما يعجبني في أورموند أنه لا يعتمد على القوة وحدها، بل يعتمد الدهاء بمواجهة خصومه بينما يكتفي بتحريك بعض القطع من بعيد. لهذا بدأ يمنحني الشعور نفسه الذي كانت تمنحه شخصيات مثل أوتو هايتاور أو لاريس سترونغ أو اللورد بايلش في Game of Thrones، حيث يكفي ظهورهم في مشهد واحد لنشعر أن هناك خطة أكبر تُحاك في الخلفية. حتى وهو يشرح لديرون قصة ميريا مارتيل أثناء لعبة السايفاس (الشبيهة بالشطرنج)، يبدو كأنه لا يعطيه درساً في التاريخ بقدر ما يعلمه كيف يجب أن يفكر بدهاء. لكن أكثر الشخصيات التي بدأت تثير القلق هي راينيرا نفسها. فمنذ بداية الموسم كانت تحاول التعامل مع كل أزمة بهدوء، أما الآن فأشعر أنها بدأت تنظر إلى الحرب من زاوية واحدة فقط. كل ما يشغلها هو العثور على إيموند وفايغار، بينما تتراكم حولها مشاكل لا تقل خطورة. ففي الوقت الذي يناقش فيه دايمون وميساريا الاضطرابات داخل كينغز لاندينغ، والعباءات الذهبية، والغضب المتزايد بين الناس، لا تكاد راينيرا ترى سوى فايغار وأيموند. حتى عندما يحاول دايمون وميسيريا إقناعها بأن هناك أولويات أخرى يجب التعامل معها أولاً، تصر على التركيز على العثور على فايغار. وهنا نبدأ بالشعور أن دايمون هو الطرف الأكثر عقلانية بين الاثنين. فالرجل الذي عُرف باندفاعه أصبح يحاول النظر إلى الصورة كاملة، بينما باتت راينيرا أسيرة هاجس واحد: العثور على فايغار وإيقاف إيموند. صحيح أن الخطر الذي يمثله التنين هائل، لكن انشغالها به جعلها تغفل عن الأزمات التي تتفاقم داخل مملكتها نفسها. فالاضطرابات التي تعصف بكينغز لاندينغ ليست منفصلة عما يحدث خارج الأسوار، بل هي نتيجة مباشرة لبعض قراراتها، بدءاً من الحملة العنيفة التي شنتها العباءات الذهبية على المدنيين بحثاً عمن يكتب الشعارات المسيئة لها، ثم مقتل العباءات الذهبية وتصاعد تمردهم خاصة مع اختيارها إرسال المال الذي حصلت عليه الحلقة الماضية للشعب بدلاً من العباءات الذين هم أحد أسباب سيطرتها على المدينة. ومن الواضح أيضاً أن هذا التوتر بدأ ينعكس على أقرب الناس إليها. فالشرخ بين دايمون وميساريا يزداد مع كل حلقة، وميساريا التي كانت يوماً مخلصة بالكامل لراينيرا يبدو أنها تأثرت بكلام أليسينت التي يبدو أنها نجحت في زرع فكرة خيانة راينيرا وإخفاء سر حمل هيلينا عنها، وهو أمر يعد شديد الأهمية وقد يغير كل شيء، بينما يبقى تركيز راينيرا موجهاً بالكامل إلى الخارج دون أن تعير اهتماماً حتى للتغييرات التي تطرأ أمامها. وفي هارينهول تعود نفس الدوامة التي أغرقت دايمون سابقاً، لكن هذه المرة مع إيموند. فبعد اختفائه منذ نهاية الحلقة الماضية، تتأكد توقعاتنا بأنه لا يزال يتعافى داخل القلعة تحت رعاية أليس ريفرز، بينما تطارده هلوساته الخاصة. لكن إيموند الذي لطالما بدا واثقاً من نفسه، يشعر الآن بالعجز بعدما تركته فايغار وحلقت بعيداً، التنين التي كانت الشيء الوحيد الذي يجعله يشعر بالقوة والهيبة. وفي لحظات ضعفه تلك يكشف عن الغيرة التي كان يحملها تجاه إيغون منذ الطفولة، لكن المفارقة أننا نرى بالمشهد التالي الوجه الآخر تماماً. ففي الوقت الذي يعتقد فيه إيموند أن إيغون كان الابن المفضل لدى أليسينت وأنه كان يعذبه في وقت كان هو يتطلع إليه كمثل أعلى، نرى إيغون يشتكي من العكس تماماً، ويعتبر أن إيموند هو من نال اهتمام أليسينت، وأنه كان الابن المثالي الذي تعلم الفاليرية وأتقن كل ما عجز هو عن إتقانه. من الغريب أن يرى كل واحد منهما طفولة مختلفة تماماً، وأن يحسد الآخر على حياة يتمنى لو عاشها، بينما كان كل منهما يعتقد أن الآخر هو الأكثر حظاً. وربما لهذا السبب، لم يستطع أي منهما التخلص من عقد الطفولة حتى بعد أن أصبحا رجلين يقودان حرباً. وفي المقابل، تمنح الحلقة مساحة أكبر للعلاقة بين هيلينا وأليسينت، حيث نرى بوضوح مدى خوف الأخيرة على حياة ابنتها بسبب الطفل الذي تحمله. فعندما ترفض هيلينا شرب الدواء الذي قد ينهي حملها، لا تحاول أليسينت إجبارها، بل تغير خطتها بالكامل، وتصبح كل أولويتها إخراجها حية من كينغز لاندينغ. وما يزيد التوتر أن محاولتهما للهرب تنتهي بهما عالقتين داخل الممرات السرية في القلعة، في مشهد يمنحنا شعوراً بأن الأمور تتجه بشكل سيء لهما. ويتقاطع مشهد أليسينت وهيلينا مع مشهد مروع آخر لدايمون، وفي الخلفية يصدح خطاب كريستن لمن تبقى من جيشه. فعندما يصل دايمون إلى مقر العباءات الذهبية، يجد سير لوثر لارجنت وعدداً من رجاله مقتولين ومصفوفين بطريقة أشبه بلوحة فنية مرعبة. يُظهر المشهد وحشية القتلة، وفي نفس الوقت يبعث برسالة واضحة بأن الحرب دخلت مرحلة جديدة. فحتى الآن كانت المعارك تدور بالتنانين والجيوش والحصارات، أما الآن فقد انتقل الصراع إلى الاغتيالات، والقتلة المأجورين، والشبكات السرية التي تعمل من قلب العاصمة نفسها. وهذا النوع من الحروب يعيد الإحساس الذي ميز Game of Thrones، حيث كان الخطر لا يأتي دائماً من ساحة المعركة، بل من الأشخاص الذين يتحركون في الظل. والأخطر أن نجاح أورموند في إنشاء هذه الشبكة يعني أن كينغز لاندينغ نفسها لم تعد مكاناً آمناً لأي طرف، وأن أي شخصية قد تصبح هدفاً في أي لحظة. أحجار الشطرنج تتحرك بسرعة والأجواء تغلي بانتظار الانفجار بأي لحظة، وفي حين ظننا أن الحرب حسمت بسيطرة راينيرا على كينغز لاندينغ وجلوسها على العرش، بدأت المصائب تنهال عليها من كل صوب وحدب. تجاوزنا منتصف الموسم الآن ولم تعد هناك الكثير من الحلقات حتى نهاية رقصة التنانين ككل. لا زلنا نترقب في كل حلقة رؤية المزيد من المعارك الرائعة مثل معركة غوليت التي استهل الموسم بها وأثار جوعنا للمزيد، إلا أن كل المؤامرات والمكائد والمفاجآت لا تقل حماساً وتشويقاً عنها. قد لا تقدم الحلقة الخامسة معركة ضخمة أو حدثاً يقلب الحرب رأساً على عقب، لكنها تواصل دفع الأحداث إلى الأمام بثبات، وتمنح عدداً من الشخصيات تطوراً مهماً قد تكون نتائجه أخطر مما نراه الآن. ومع استمرار تراكم الأخطاء والخطط التي تُحاك في الخفاء، تبدو رقصة التنانين وكأنها دخلت مرحلة جديدة.