Disclosure Day يعرض حالياً في دور السينما بالمنطقة. عاد ستيفن سبيلبرغ إلى دور العرض السينمائية، وللمرة الأولى منذ فترة طويلة اصطحب معه الفضائيين. ومن هذه الزاوية، يُعد Disclosure Day عودة مرحباً بها إلى الأمور التي يجيدها سبيلبرغ أكثر من غيرها. لكن رغم الأسئلة الجيدة التي يطرحها الفيلم، فهل تأتي الإجابات بالقوة نفسها؟ مجرد احتمال صدور فيلم جديد من إخراج ستيفن سبيلبرغ أمر مثير للحماس دائماً. فالرجل أحد أعظم المخرجين على الإطلاق ولا يحتاج إلى أي مقدمة. أما عودته بفيلم خيال علمي ضخم بميزانية كبيرة ومن فكرة أصلية بالكامل فذلك أكثر إثارة للحماس، وهو أمر لا يمكن تجاهله عند تقييم هذا الفيلم. لن أجادل أبداً ضد الحصول على المزيد من أعمال سبيلبرغ، خصوصاً عندما تأتي محمّلة بكل تلك اللمسات التي تجعلها "سبيلبرغية" إلى أقصى حد. هناك ألفة خاصة في أسلوبه الإخراجي، وربما يكون ذلك أمر غير منصف له في هذه المرحلة من مسيرته المهنية. فقد كان مؤثراً إلى درجة أن أسلوبه جرى تقليده من قبل جيلين كاملين من صناع الأفلام، ولذلك يصبح من السهل نسيان أن كل هذه العناصر هو من ابتكرها أساساً. إنه ليس شخصاً يقلد سبيلبرغ، بل سبيلبرغ نفسه، وهذه نقطة أخرى لا ينبغي تجاهلها في هذا الفيلم. حركة الكاميرا لديه والإضاءة الخلفية، وانعكاسات العدسات، والاندفاعات البصرية المقصودة نحو وجوه الشخصيات المذهولة، كل ذلك حاضر هنا، وكل ذلك سبيلبرغي إلى أبعد الحدود. وبأبسط تعريف ممكن، فإن Disclosure Day فيلم يتناول سؤال ما إذا كانت البشرية قادرة على تقبل حقيقة وجود كائنات فضائية. وبالطبع هناك وكالة غامضة مرتبطة بالحكومة كُلفت بإخفاء هذه الحقيقة لعقود، وهناك مجموعة من الأشخاص العاديين ذوي النوايا الحسنة يقررون كشف المؤامرة، لكن هذا مجرد إطار قصصي. أما جوهر القصة الحقيقي فهو السؤال التالي: هل يمكننا التعامل مع هذه الحقيقة؟ لطالما كانت هذه أكبر نقاط قوة سبيلبرغ في مجال الخيال العلمي: أخذ فكرة ضخمة وخيالية للغاية وربطها بمشاعر إنسانية حقيقية وقريبة من الواقع. ففي حين من الرائع أن يتمكن E.T. من جعل الدراجات تطير، فإن ما يجعلنا نهتم به فعلاً هو العلاقة التي تربطه بإليوت. هناك دائماً قلب إنساني يمكن التعاطف معه في مركز أعماله من الخيال العلمي، وهو ما يميزها عن غيرها. وفي Disclosure Day يعتمد هذا القلب بالكامل على طاقم التمثيل. في المقام الأول، تقدم إيميلي بلانت أداءً رائعاً. إنها بالفعل واحدة من أفضل الممثلات العاملات حالياً ويبدو أنها ترتقي دائماً بأي فيلم تشارك فيه. و Disclosure Day ليس استثناءً. ففي دور مارغريت، مذيعة الطقس في كانساس سيتي التي تجد نفسها فجأة تنطق بلغة فضائية غريبة، تتعامل مع الموقف بإصرار قوي وخوف واضح وحيرة حقيقية، وكل ذلك بطريقة مقنعة للغاية. وهذا جزء من حيلة سبيلبرغ في أفلام الخيال العلمي. فما يحدث لهذه المرأة أمر جنوني فعلاً، والحفاظ على ردود أفعالها واقعية دون المبالغة أو التصرف وكأنها تقول "هل تصدقون ما يحدث؟" يتطلب قدراً كبيراً من الدقة والانتباه للتفاصيل. ولولا أداء بلانت، لما نجحت أجزاء كبيرة من الفيلم إطلاقاً. وهناك لقطة طويلة مذهلة تغطي مساحة واسعة من الأحداث في مشهد محوري ضمن قصتها، تنتقل خلالها من الذعر إلى الحيرة ثم إلى التحدث بالكورية بطلاقة في اللحظة التالية. أما طاقم الممثلين المساعدين فلا يقل جودة. وسيكون أمراً غريباً لو أن كولمان دومينغو وكولين فيرث لم يكونا جيدين في هذه المرحلة من مسيرتهما، بينما تضيف إيف هيوسن منظوراً خارجياً إلى الحبكة، ويمنح وايت راسل الأحداث طابعه البسيط والمحبب دون أن يصبح حضوره زائداً عن الحاجة. ومع ذلك، فإن الشخص الثاني الذي يحمل الفيلم على كتفيه بعد بلانت هو جوش أوكونور. ورغم أن أوكونور ربما لا يقدم أداءً يخطف الأضواء بشكل استثنائي، فإنه يتمتع بصلابة كبيرة ويُظهر هنا قدرته على قيادة فيلم كامل. حيث يؤدي شخصية رجل يدعى دانيال، والذي يجد نفسه في موقف أكبر مما يستطيع التعامل معه، وليس لديه سوى مبادئه لترشده. كل ما يعرفه هو أن ما قرر فعله هو الأمر الصحيح، وذلك وحده يكفيه كدافع للتحرك، حتى وإن لم يكن مؤهلاً لخوض المواجهات. لكن دانيال يحمل ماضياً لا يشعر بالرضا تجاهه وأملاً في مستقبل أفضل، وهذا كل ما تحتاجه تقريباً لصناعة بطل رئيسي على طريقة سبيلبرغ. قد يبدو الأمر بسيطاً للغاية، لكنه عنصر تفتقده الكثير من الأفلام الضخمة الحديثة. أدرك أنني بذلك أخاطر بأن أبدو كرجل مسن يجلس على الشرفة ويهز قبضته في وجه "شباب هذه الأيام"، لكنني أتحدث هنا عن فيلم صنعه مخرج يبلغ من العمر 79 عاماً، لذا ربما يكون ذلك مناسباً. وسأقول أن هناك فترات من الفيلم لم أستطع خلالها إلا أن أشعر بالإعجاب لأن سبيلبرغ لا يزال يمتلك كل براعته. ولا يمكنني الحديث عن جودة أداء البطلين دون الإشارة أيضاً إلى أحد المشاهد في منتصف Disclosure Day، وهو مشهد استثنائي بحق. فبعد هروب مارغريت ودانيال من رجال الحكومة الغامضين الذين يطاردونهما، يصطدمان بقطار ويتمكنان بالكاد من النجاة مرة أخرى. يمتد هذا المشهد لنحو عشر دقائق، لكن ما يجعله رائعاً هو أن لقطات الآكشن فيه محاطة بالعواطف المؤثرة. فهناك مشهد يسمح لشخصيتي بلانت وأوكونور بالتقارب بطريقة مرحة وعفوية توضح حالتهما النفسية، ثم يأتي مشهد آكشن مشحون بالتوتر، يعقبه مباشرة مشهد قوي يعرض تداعيات ما حدث. الفيلم يتحرك باستمرار من مشهد إلى آخر، وفي معظمه تجربة ممتعة جداً… لكنه يصل بعد ذلك إلى فصله الثالث. إنها اللحظة التي يُفترض بنا كمشاهدين أن نلتقط فيها أنفاسنا، لكن سبيلبرغ يجعلك تعيش الخوف والقلق اللذين يشعر بهما هذان الشخصان. والنتيجة هي مشهد مشوق للغاية انتهى به الأمر ليكون أبرز ما في الفيلم بالنسبة لي. نعم، كان الجزء المفضل لدي في الفيلم في منتصفه تماماً، لأنه بالتأكيد لم يكن النهاية. لكن دعوني أعود قليلاً قبل أن أصل إلى هناك… لدي قاعدة، أو مبدأ أسترشد به، فيما يتعلق بالتفاصيل الصغيرة في الأفلام. إذا كانت هناك خيوط لا أستطيع منع نفسي من شدّها، أو فجوات منطقية أو ثغرات في الحبكة لا أستطيع تجاهلها، فعادةً ما يعني ذلك أنني لا أحب الفيلم. كل فيلم يحتوي على مثل هذه الأمور الصغيرة المزعجة، لكن إذا لم تزعجني فهذا يعني أنني مفتون بالفيلم بما يكفي وأستمتع به. لنفترض مثلاً أن أتباع الشرير الرئيسي يحاصرون أبطالنا أثناء هروبهم واختبائهم في فندق رخيص، لكن الأبطال ينجحون في الفرار بمجرد الخروج من النافذة الخلفية والمشي بهدوء بعيداً دون أن يراهم أحد. الجزء المتشكك بداخلي يقول: "لا، الأمور لا تسير هكذا في الأفلام. لقد شاهدت The Fugitive وعدداً لا يحصى من الأفلام الأخرى التي يطوق فيها العملاء المبنى بالكامل، ولا توجد طريقة منطقية تسمح لهم بالهروب". في Disclosure Day توجد عدة لحظات من هذا النوع، ووجدت نفسي أضحك بصوت مسموع كلما حدثت إحداها. في النهاية تجاوزت هذه الأمور بسهولة كافية، لأننا نتحدث هنا عن سبيلبرغ. فالفيلم يتحرك باستمرار من مشهد إلى آخر، وفي معظمه تجربة ممتعة جداً… لكنه يصل بعد ذلك إلى فصله الثالث. هنا عندما يبدأ يصبح من الصعب الحديث دون حرق للأحداث، لكن يمكنني القول إن الطريقة التي يختتم بها الفيلم قصته لم تعجبني كثيراً. الإجابات التي يقدمها للأسئلة الكبرى التي يقضي كامل زمنه في طرحها بدت لي ساذجة للغاية. هناك قدر من التفاؤل الطفولي فيها جعلني أفقد اهتمامي تماماً بذروة الفيلم. كما أن الطريقة التي تفاعلت بها بعض الشخصيات لم تبدُ صادقة أو واقعية أو منسجمة مع الطريقة التي تم بناء شخصياتهم بها سابقاً. وبما أنني بدأت هذه المراجعة بالإشارة إلى موهبة سبيلبرغ الخاصة في إبقاء شخصياته واقعية داخل مواقف خيالية، فإن فقدان هذه الميزة في خاتمة الفيلم برز بشكل واضح بالنسبة لي. لكنه يوضح أيضاً مدى حساسية هذا التوازن، والمخاطرة الكامنة أصلاً في صناعة فيلم خيال علمي بالمقام الأول. نعم، إنه فيلم عن كائنات فضائية، لكن نعم أيضاً، يجب أن تبدو الأمور حقيقية وصادقة. سبيلبرغ بارع في الخيال العلمي، لكن ذلك يعود بدرجة كبيرة إلى وجود عنصر عاطفي دائماً يجعل أفلامه عن الكائنات الفضائية تبدو واقعية. وهنا تحديداً يتعثر هذا الفيلم. كل شخصية لديها علاقة واضحة ومحددة بفكرة "يوم الكشف" (والتي يأتي عنوان الفيلم منها: Disclosure Day). فهناك مدارس فكرية مختلفة حول كيفية تقبل البشر لحقيقة وجود الكائنات الفضائية، ويتم تمثيلها عبر الشخصيات بطريقة مدروسة، وهو ما يجعل سذاجة النهاية محبطة بعض الشيء. ومع ذلك، هناك أيضاً جانب قابل للتأويل في خاتمة الفيلم، أشبه باختبار رورشاخ: فإلى حد ما سترى في النهاية ما تريد أنت أن تراه. لذا ربما يكشف رد فعلي تجاهها عني وعن نظرتي الحالية للعالم أكثر مما يكشف عن الفيلم نفسه. وهذه هي الفكرة التي سأظل أفكر فيها بسبب هذا الفيلم. ربما لا أتفق مع رؤية الفيلم لقدرة البشرية على التعامل مع كشف معرفي بهذا الحجم، لكن لا أحد من الشخصيات على الشاشة يتفق مع الآخر أيضاً، فلماذا يجب أن أكون مختلفاً؟ إذا كان هذا هو النقاش الذي يريد الفيلم خوضه، مصحوباً بجرعة من الإيجابية وأمل سبيلبرغ المعهودين، ومغلفاً بفكرة أصلية ليست جزءاً من سلسلة أو إعادة إنتاج أو عمل مشتق، فلن أشتكي كثيراً. - ترجمة ديما مهنا أمنح Disclosure Day تقييم 7 من 10. الفيلم من نواحٍ كثيرة يحمل روح سبيلبرغ الكلاسيكية: فهو لم يفقد أياً من براعته خلف الكاميرا التي تنطلق بأقصى سرعة من البداية إلى النهاية، ويحتوي على بعض المشاهد التقنية الرائعة، كما أن أداء بطليه الرئيسيين ممتاز للغاية. ورغم أن Disclosure Day يتعثر قليلاً عند خط النهاية بطريقة تجعل بعض ملاحظاته الأخرى أكثر استحقاقاً للنقد، فإنه يظل فيلم خيال علمي أصلياً ضخم الميزانية يثير النقاش، من صنع أحد أعظم صناع السينما على الإطلاق. وحتى إن كنت لا أتفق مع الإجابات التي يقدمها لأسئلته الأكثر إثارة للاهتمام، فإنه لا يزال فيلماً ظللت أفكر فيه طويلاً بعد مغادرتي صالة السينما.