بإيقاع صاخب بدأ المخرج محمد خان والذي تمر هذه الأيام ذكرى 10 سنوات على رحيله، فيلمه خرج ولم يعد، الذي يمثل رحلة هروب بطل قصة الفيلم إلى البراح، واضعا شعار «ربما كانت الشخصيات من الخيال لكن ثق أن الأماكن من الواقع»، بضجيج السكن الذي يفتقد للسكينة، شروخ في منزل عطية – يحيى الفخراني، تهديد مستمر بمصير محتوم، يستيقظ عطية بطل حدوتة خان المأخوذة عن رواية براعم الربيع للكاتب H.E. Bates، من تمصير عاصم توفيق، وسط هذا العالم البائس مرسوما على وجهه، كل شيء حوله يتمنى له الخير في هذا الصباح، من صوت الراديو إلى جملة صباح الخير على مرايا الحمام الملاصقة لصورة خطيبته زينات - مها عطية، لكن الواقع له رأي آخر في ذلك الأمر فلا هو صباح خير ولا خطيبته اسم على مسمى، فهى كذلك تعيش في واقع بائس ترسمه ملامحها الحادة ورتوش المكياج التي تفضح واقعها. يطلق الراديو رسالة استغاثة "يا حبيبي تعالى الحقني شوف اللي جرالي" بصوت أسمهان وكأنها صرخة إنقاذ لكنه لا مجيب يمد يد العون لبطل الفيلم فهو يعيش حياة ليست كالحياة وإنما اشبه بالموت غير الرحيم، محيط خانق حارة متهالكة في مواجهة أبراج خرسانية، تشعر المشاهد بدونية المستوى الذي يعيش فيه عطية، دبلة خانقة تنضم لمجموع المنغصات التي يعيش وسطها الفخراني. لا يحتاج عطية للبوح لما يعيشه فكل الدلائل تشير لوضعه المادي والاجتماعي، بذكاء شديد للمخرج محمد خان، جعل المشاهد يشعر بحجم المعاناة التي يعيش فيه جوارب مخرومة تحت مكتبه، آمل بالترقية على بعض 20 عاما فقط! يرسم خان ملامح شخوصه في الفيلم، نجد زينات - مها عطية، تجلس على طاولة الطعام وفي مواجهتها إحسان شريف والدتها في إشارة لحالة التيه التي يعيش فيها البطل بين محاولات إرضاء الأم وسيطرة الخطيبة على العلاقة وهيمنتها على شخص عطية فهو لا يملك من نفسه شيء. بوتيرة متسارعة برعت المونتيرة نادية شكري أحد أهم رواد المونتاج في مصر والتي جمعتها بالمخرج محمد خان علاقة تفاهم على مستوى العمل حيث قدما سويا أعمالا تعد علامات بارزة في تاريخ السينما المصرية منها زوجة رجل مهم. تلك الوتيرة التي اختلفت تماما في الفصل الثاني من الحدوتة بمجرد دخول عطية إلى جنة الريف المصري، مثلها مثل الموسيقى التصويرية التي اعتمد فيها الموسيقار كمال بكير على الرق والقانون والدف بلغة حزينة في الفصل الأول من العمل، لتتغير تلك اللغة سريعا مستخدما نفس الآلات ولكنها تتغنى فرحة وبهجة، لتكمل الصورة التي رصدها مدير التصوير طارق التلمساني، راسما لوحة فنية بسيطة، من وحي هدوء الريف وجماله وتأثير ذلك البراح على النفس. عبقرية حوار فيلم خرج ولم يعد، تكمن في تمصير عاصم توفيق، والذي يعتبر اعاد صياغة الرواية بالكامل لتتناسب مع الواقع المصري، مفردات مناسبة لكل شخصية كمال بك عزيز – فريد شوقي، بخليفته وشبابه الذي عاشه في باريس ونيويورك، بساطة سنية – عايدة عبد العزيز، كذلك خيرية – ليلى علوي، خوخة الواعية رغم تركها التعليم وهو الدور الذي نقل ليلى علوى لمنطقة جديدة كشفت فيها إمكانيات بعيدة عن الوجه الجميل، لممثلة محترفة من طراز خاص. يقولون إن الشيطان يكمن في التفاصيل، كذلك كان محمد خان، يكمن في التفاصيل بالمعنى الإيجابي فهو شيطان إخراج، بمعطيات بسيطة قدم رائعته خرج ولم يعد دون فزلكة، كل لقطة تخدم اللقطة التي تليها، بداية من بيت عطية بتفاصيله، مرورا بالمصلحة التي يعمل بها عطية بشبابيكها وأبوابها المتهالكة، مرورا ببيت كمال بيه في العزيزية، ذلك الرجل الذي يعيش كالملوك، ولكن على اطلال الماضي، بقايا جاه وغناء، يعيش على ما تبقى من أطباق وأطقم صيني ومعالق، فنجد الأطقم الصيني ذات القيمة الكبيرة، ولكنها أصابها ما أصاب زمن الفيلم من اهمال، تقدم خوخة الشاي من براد صيني له قيمته ولكن الصينية التي تقدم فيها الشاي تنتمي لزمان الفيلم المهترئ كذلك كوب الشاي الذي لا ينتمى ولا يرتقي لذلك البراد، معالق باهظة الثمن لكنها مجنزرة، لم تجد من يلمعها فلا يوجد من يعرف قيمتها وقدرها، كذلك الكونسول الخشبي المصنوع من خشب الزان والمنحوت عليه نسر صلاح الدين. لم يترك محمد خان تفصيلة في الفيلم لا تخدم مضمونه من أصوات العصافير وكراون جنة خيرية إلى صوت خرير المياه والتلفزيون الصامت، الذي يدعو للدفء بـ ونس لمة الأسرة، سفرة الطعام وتنوعه وكرم البيت، جميعها تخدم مضمون الفيلم الذي يدعو للاستمتاع بالحياة وبنعم الحياة التي طمست متعتها المدينة الملعونة، حتى ذلك المشهد الذي جاء خاطفا، رصد فيه خان زحام محطة رمسيس، بالزحام المروري، الذي طغى على صوت أغنية محالاها عيشة الفلاحة. علاقة كمال بيك وسنية، واحدة من امتع العلاقات التي عبر عنها محمد خان في الفيلم، زوج ابن ذوات، تخلى عن شقاوته ليتزوج من فلاحة بنت فلاح، لكنها في نظره أهم وأجمل من كل من رأيت عينه، يقدرها، يناديها بالهانم، وهى تضعه فوق رأسها، تتغافل عن ماضيه وتمنحه الحرية التي يريدها رغم أنها متملكة زمام أمور المنزل، لا تشكل عليه ضغطا، تتفن في امتاعه مرة بأكلة حلوة ومرة بكلمة حلوة ومرات باهتمام وتبجيل، وهى الخصال التي تتمتع بها خوخة، التي تشكل فصل جديد مع عطية، استكمالا لحدوتة كمال وسنية، ليجد فيها عطية براح يتنفس فيه الحب بلا شروط، بدون ضغوط، ليفتح خان الستار على واحد حدوتة جديدة تجمع خوخة وعطية في الجنة، ورغم أن الفيلم لاقى العديد من التحديات خاصة وأن الفخراني في تصوير الفيلم كان نجم تلفزيوني إلا أن الفيلم سجل كواحد من أهم أفلام السينما المصرية وعلامة بارزة في تاريخ محمد خان.