في الفترة التي سادت فيها المقدمات الغنائية الطويلة واستخدام المقدمات الكلاسيكية قاد الموسيقار الراحل هاني شنودة ثورة فنية شبابية تقودها روح فنان متمرد ومندفع إلى التجديد. نزل شنودة إلى عمق الشارع المصري واختار كلمات معاصرة للحياة اليومية واستخدم لها آلات لم تكن منتشرة مثل الأورج والجيتار الذي كان وقتها ينتمي إلى الألحان الغربية لكن عبقرية شنودة أخرجت من هذه الآلات الحان مصرية وعربية خالصة. هاني شنودة صانع النجوم الذي قلب طاولة الغناء التقليدي رحل عن عالمنا منذ أيام مخلفا وراءه ميراثا متنوعا من الاكتشافات التي غيرت خريطة الغناء في الوطن العربي منذ منتصف السبعينات وحتى الآن، ولازال الجيل الجديد يقدم نفس المدرسة الغنائية التي أنشأها شنودة، فهو الأب الروحي لكل الفرق المستقلة وموسيقى البوب المعاصرة وحتى تجارب الشباب الحالية التي تعتمد على الإيقاع السريع والكلمة المأخوذة من واقع الحياة اليومية. شهدت منتصف السبعينات الانطلاقة الأولى لفرقة المصريين التي اعتمدت في البداية على تقديم أغاني قصيرة وسريعة وعلى آلات حديثة مثل الأورج والجيتار والدرامز بدلا من استخدام الآلات الشرقية التقليدية مثل القانون والعود والناي . عبرت أغنية متحسبوش يا بنات وأغنية ماشية السنيورة عن صدمة التجديد التي أحدثها هاني شنودة، فالأمر لم يكن مجرد نجاح تجاري، بل كان مواجهة حقيقية بين زمنين غنائيين، الاغاني الكلاسيكية التي كانت تتمحور موضوعاتها حول الحب والهجر والحزن والخصام، وبين المحاولات الخروج من القالب المصمت للموضوعات المستهلكة الثقيلة. استعان شنودة بالشاعر صلاح جاهين والشاعر عمر بطيشة، واختار كلمات تعبر عن واقع الفتاة المصرية المعاصرة، فخرجت متحسبوش يا بنات إن الجواز راحة بصوت إيمان يونس، وخرجت ماشية السنيورة بصوت منى عزيز. التجديد لم يكن فقط في اختيار كلمات غير تقليدية لكنه امتد إلى أسلوبه في توزيع هذه الموسيقى، الكلمات البسيطة والقوية تم صياغتها في قالب موسيقي غربي سريع لم يعتاده الجمهور في تلك الفترة، ثم تحولت أغنية متحسبوش يا بنات وماشية السنيورة من مجرد أغنيتين إلى تعبيرات متداولة في الثقافة الشعبية المصرية. لم تتوقف عبقرية شنودة عند حدود شريط الكاسيت أو الأغنية واطلاق الفرق المستقلة، بل امتدت هذه الثورة المتمردة لتقتحم شاشة السينما وتعيد تشكيل مفهوم الموسيقى التصويرية بالكامل. وظف شنودة آلات حديثة ليجعل من الموسيقى بطلا دراميا يتحرك داخل أحداث الفيلم، وامتزجت ألحانه مع سينما عادل إمام وشريف عرفة و سعيد مرزوق، وأصبحت الموسيقى التصويرية لأفلام مثل المشبوه، وشمس الزناتى، والحريف، محاكاة فنية شاملة ليوميات الشارع المصري، تردد نغمات تعبر عن الناس في مواجهة الحياة دون أن تفقد هويتها. امتلك الموسيقار الراحل هاني شنودة موهبة اكتشاف الأصوات الجديدة، ولا ينكر أحد أنه من وضع حجر الأساس لبداية انطلاق الفنان عمرو دياب والفنان محمد منير الذين قدموا نمط غنائي خارج عن المألوف، وأصبحوا اليوم من عمالقة الغناء المصري. القيمة الحقيقية التي يمثلها الموسيقار الراحل هاني شنودة في تاريخ الفن العربي، لا تكمن فقط في الإرث الموسيقي الكبير الذي تركه خلفه، بل في جرأته على تغيير الطريقة التي نتذوق بها الأغنية العربية، وجعل الموسيقى شريك فاعل في تفاصيل حياتنا اليومية.