لا تقتصر العطور على كونها لمسة جمالية تعكس الذوق الشخصي، بل تمتلك قدرة استثنائية على استحضار الذكريات والمشاعر. فقد تكفي نفحة عطر واحدة لإعادة الإنسان إلى موقف عاشه قبل سنوات، أو لاستذكار شخص غاب عن حياته، وكأن الزمن عاد للحظة. ويفسر العلماء هذه الظاهرة بأن حاسة الشم ترتبط مباشرة بالجزء المسؤول عن الذاكرة والعواطف في الدماغ، بخلاف بقية الحواس التي تمر بمراحل معالجة مختلفة. لذلك تُعد الروائح من أقوى المحفزات لاسترجاع الذكريات، سواء كانت مرتبطة بطفولة، أو مناسبة سعيدة، أو رحلة، أو حتى عطر اعتاد شخص عزيز استخدامه. ولهذا السبب، أصبحت كثير من دور العطور تبني حملاتها التسويقية حول مفهوم «صناعة الذكريات»، إذ لا تروج للعطر كرائحة جميلة فحسب، بل كتجربة عاطفية ترافق صاحبها في أهم محطات حياته. كما يحرص كثيرون على اختيار عطر خاص لحفل الزفاف أو التخرج أو السفر، ليصبح فيما بعد رمزًا لتلك المناسبة. ويرى خبراء العطور أن اختيار الرائحة بات يعكس الهوية الشخصية بقدر ما يعكس الذوق، إذ يميل البعض إلى الاحتفاظ بعطر ثابت يرتبط بهم في ذاكرة الآخرين، بينما يفضل آخرون تغيير عطورهم بحسب الفصول أو المناسبات، لتكوين ذكريات مختلفة مع كل مرحلة من مراحل حياتهم.