كتبت بتول عصامالأربعاء، 27 أغسطس 2025 07:00 ص حضور الكنيسة القبطية في المجال الصحي يعتبر إلى حد كبير الأبرز بين أدوارها المجتمعية، فإن تأسيس مستشفيات قبطية منذ أكثر من قرن ونصف، يكشف جانبًا مهمًا من التداخل بين الخدمة الكنسية والخدمة العامة. وفي هذا التقرير، نسلط الضوء على مستشفيين كانا في قلب هذا المشروع الصحي المسيحي: المستشفى القبطي بالقاهرة ومستشفى العذراء بالزيتون: المستشفى القبطي بالقاهرة لم تبدأ القصة من حجر الأساس، بل من فكرة إنسانية حملها ثلاثون قبطيًا اجتمعوا عام 1881 في بيت عريان مفتاح بالأزبكية، بحضور رموز فكرية ودينية من مسلمين ومسيحيين، أمثال الشيخ محمد عبده وعبدالله النديم. لم يكن المستشفى يخدم الأقباط فقط، بل كان مفتوحًا لجميع الفقراء دون تفرقة، في استجابة لشعار "مبدأ الإنسانية لا يتجزأ"، كما ورد في وثائق الجمعية. وحتى التمريض لم يكن حكراً على الأجانب، فقد تأسس داخله أول قسم مصري لتعليم الفتيات فنون التمريض. بقي المستشفى تحت إشراف الكنيسة القبطية حتى تأميمه في ستينيات القرن العشرين، حين أُلحِق بالمؤسسة العلاجية الحكومية. لكن حتى بعد ذلك، ظل الطابع الكنسي حاضرًا، خاصة عبر فرق التمريض الإيطالية من الراهبات، اللواتي أقمن في المستشفى وخصص لهن دور كامل وكنيسة خاصة للصلاة.المفارقة أن هذا المستشفى الذي بدأ كفكرة أهلية دينية، تحول بمرور الزمن إلى مؤسسة علاجية وطنية تخدم الجميع، حاملة إرثًا إنسانيًّا وروحيًا، وشاهدًا على تداخل الكنيسة بالهم العام في مصر. مستشفى العذراء بالزيتون حين أسس القمص بطرس جيد لجنة البر بالكنيسة القبطية في سبعينيات القرن الماضي، كان يحمل حلمًا يتجاوز المساعدات العينية المؤقتة. كان يؤمن بأن الرعاية لا تكتمل إلا بالتنمية، وأن الرحمة الحقيقية تتجلى في منح الإنسان وسيلة للعيش الكريم، لا مجرد إعالة عابرة. في عام 1980، تجسد هذا الإيمان في مشروع مستشفى السيدة العذراء الخيري بحي الزيتون، ليكون أحد أبرز إنجازات لجنة البر التابعة للكرازة المرقسية. بُنيت المستشفى لتخدم الفقراء والمحتاجين من أبناء القاهرة ومحافظات الجمهورية كافة، ولتقدم رعاية طبية متكاملة بتكلفة رمزية، دون تفرقة أو تمييز، وبنخبة من أمهر الأطباء وأحدث الأجهزة. تُعد المستشفى اليوم امتدادًا عمليًا لتاريخ طويل من الرعاية الكنسية للفقراء. ويُذكر أن لجنة البر، التي أسسها القمص بطرس جيد، كانت من أوائل الهيئات الكنسية التي تبنت مبدأ "التمكين عبر التنمية"، حيث عملت على إنشاء مشروعات صغيرة لتعليم الأسر الفقيرة حرفًا يعتاشون منها. هذا المفهوم تبناه البابا شنوده الثالث، فوسع اللجنة لتصبح نموذجًا معممًا في كل إيبارشية، ولا يزال البابا تواضروس الثاني يدعمها ويشدد على دورها الحيوي في خدمة المجتمع.