مع مطلع عام جديد، يتجدد أمل المثقفين في تعزيز وتعميق جذور الثقافة الأصيلة المنتمية، وإلى جودة المخرجات، وتمكين الإبداعات الأدبية من الإسهام في رسم صورة المشهد المتسم بالإنتاج النوعي، والحريص على عدالة التوزيع. وهنا استطلاع لآراء نخبةٍ من الكتاب والنقاد لتكون نافذةً لعام 2026، تشرق منها آمال وتطلعات جديرة بالاهتمام والتأمل، وتنمّي روح التفاؤل. إذ تتطلع الناقدة الدكتورة أسماء المبارك إلى مشهد ثقافي سعودي لعام 2026 يقوم على مبادرات عملية واضحة؛ كون الرهان اليوم ليس على كثرة الفعاليات وحدها، بل على جودة المبادرات واستمراريتها، وعلى نشرها خارج العواصم والمدن الكبرى، وقدرتها على الوصول إلى المدارس والأحياء والمناطق البعيدة. وأضافت المبارك: أطمح إلى أن تضطلع الهيئات والجمعيات المتخصصة بدورٍ مضاعف في حماية تراثنا المادي والشفهي وتوثيقه رقمياً مع تشجيع التجارب الإبداعية الجديدة التي تمزج الأصالة بالمعاصرة؛ كي لا يكون التراث مجرد متحف صامت، ولا يكون التجديد قطيعة مع الجذور. وطالبت بأن يُسهم المثقفون والمثقفات في صون الهوية الوطنية عبر توثيق التراث المحلي، والكتابة عنه بأساليب عصرية مع الانفتاح على التجديد والحوار المسؤول، مؤكدةً أن الثقافة لا تزدهر إلا بالحوار، بعيداً عن الاستقطاب والإقصاء، وبروح من الاحترام والمسؤولية، وتشجيعٍ للاختلاف بوصفه ثراءً لا تهديداً. وناشدت الجمعيات الأدبية المهنية بالتوجه إلى بناء الشراكات مع قطاع التعليم، والقطاع غير الربحي، وتقديم برامج مستمرة تقيس أثرها وتعلن نتائجها، والعمل معاً بجهد متواصل يعزّز الهوية ويرفع الوعي، ويحوّل الثقافة إلى خدمة عامة يشعر بها كل مواطن ومقيم في السعودية، مع بناء جسور بين المؤسسات الثقافية وقطاع التعليم، واعتماد برامج فاعلة لتمكين المبدعين.. حاضنات للمشاريع الثقافية، وتوجيهاً مهنياً يساعد الموهبة على أن تصبح مشروعاً مستداماً، إلى جانب تعزيز الحضور الثقافي الرقمي بمحتوى رصين يسهم في مكافحة التظليل وتبسيط المعرفة، وتمكين ثقافةٍ تُصغي وتُمكن، وتبني الجسور بين التراث والمستقبل، وبين المؤسسات والمجتمع، وبين المثقفين والجمهور. كما تتطلع لأن تواصل الثقافة في المملكة دورها بوصفها ركناً أساسياً في التنمية وتعزيز الهوية الوطنية.
فيما عبّرت الكاتبة سهام القحطاني عن سعادتها بحركة الازدهار التي عاشتها الثقافة السعودية في عام 2025 عبر أحداث ثقافية كبرى منها (مهرجان الدرعية للرواية)، و(بوليسيثون) تحدي الابتكار الثقافي الذي أطلقته وزارة الثقافة، و(مزاد أوريجينز)الذي يمثل شراكة عالمية بين الفن السعودي والفن العالمي، وغيرها من الفعاليات الثقافية التي تربط التراث بالفنون المهارية، وتحقق مفهوماً تكاملياً شمولياً للثقافة، تُأصل فيه الهوية الوطنية الثقافية وحضورها العالمي، وترى أن الساحة الأدبية اعتراها في عام 2025 ركود، أو (تظن ذلك)، إذ يُلق حجر يحرك المياه الأدبية الراكدة، ولم تكن هناك عواصف مهدت لها لحظات هدوء، لافتةً إلى أن معارض الكتب والملتقيات الأدبية مرّت في صمت بلا صوت، لاختفاء القضايا الأدبية الجدلية التي هي مصدر حياة الأدب، وأرجعت ذلك إلى أننا أصبحنا مجتمعاً منفتحاً مُقدراً ومستوعباً للاختلاف، وتطّهر وعينا من الثنائيات المحرمة، وتتوق إلى عودة الأدب ليترأس الهرم الثقافي، كونه وإن تعددت قنوات الثقافة وأهميتها يظل هو روح الثقافة.
فيما أكد الكاتب محمد ربيع الغامدي أن الثقافة السعودية تعيش الآن لحظة انتقال من الاكتفاء الثقافي المغلق إلى الاكتفاء الثقافي المُختبَر. ويرى أن الانفتاح العظيم لم يأتِ ونحن فارغون ثقافياً، بل ممتلئون ولكن بلا نوافذ، وعدّ الرؤية مشروع فتح شبابيك في حوائط مصمتة، مشيراً إلى أنه منذ تأسيس المملكة وتوطيد دعائم الاستقرار، تكوّنت مكتبة ثقافية في الذاكرة من (حكايات، شعر، أمثال، سِيَر)، وسرديات محلية ثرية (القرية، الصحراء، الهجرة، التحول)، وحس أخلاقي واجتماعي عميق، إلا أنها في الذاكرة أكثر مما هي في التداول. ويرى أن الانفتاح لم يكن أبداً مجرد استيراد ثقافة، بل كان تهيئة الميادين للاحتكاك ومساءلة الذات، لنرى أنفسنا كما يرانا الآخرون وليس كما اعتدنا أن نرى أنفسنا، وتطلّع إلى أن تصل بنا التحديثات الثقافية بما تعتمد عليه من جمعيات متخصصة ومن هيئات ومن تنظيمات إلى تراكم أربع طبقات هي: الذاكرة المنتجة وليس الذاكرة المُتْحَفِيّة، واللغة القادرة على التفكير وليس على التكرار، والثقة في النفس، وتجنب الوقوع في فخ الانكفاء، فهو من أخطر الفخاخ التي تتربص بنا.
فيما أوضحت أستاذة الدراسات الأدبية والنقدية الدكتورة دوش بنت فلاح الدوسري، أننا نمر بحالة من الازدهار الثقافي والأدبي وتعدد المحافل والملتقيات والفعاليات واللقاءات، إلا أننا دائماً نطمح للأفضل ولحركة تغيير مستمرة ودافقة تمثل الحالة الثقافية في وطننا العزيز.
وتطلّعت إلى اكتشافات أكثر ثراءً للثقافة السعودية في كل المجالات: الفن والأدب والفلسفة، كشف لأسماء جديدة، دفع الحركة بكتب جديدة، وموضوعات جديدة، وتفادي التكرار الذي يكاد أن يكون ظاهرة، تكرار الموضوعات أو الأسماء، والغوص في أعماق الثقافة السعودية وتحييد المناقشات السطحية والموضوعات الشكلية التي لا تتجاوز القشور، والبحث عما وراء الضوء، وعن مبدعي الظل الذين لا يحبون الضجيج، وتلمس مساراتهم ونتاجهم. كذلك العودة للداخل أكثر والتنقيب عن معالم هويتنا الوطنية والمحلية في صورة أكثر عمقاً.
فيما يرى الكاتب علي القاسمي أن الأفكار والمبادرات لا تتوقف من الكيانات التي تأمل أن تحوز على رضا المتطلعين دائماً، وتحاول بذل ما أمكن من أجل الوصول لنسبة رضا يراهن عليها، ومستوى نقد أقل مما يمكن أن يحدث فيما لو كان الميدان خالياً من الأعمال والأنشطة أو بأداء لا رضى عليه، وطالب الثقافة والهيئات والتجمعات وكل مؤسسة تعنى بالفعل الثقافي بأهميّة التدقيق الجيد في مسألة تكرار الأسماء التي تدعى وتستضاف وتحاور وتكون في طليعة من يكون على منابرها وطاولاتها؛ لأن التكرار بات ملموساً ويعطي تنبيهات إلى أنّ العلاقات تلقي بظلالها في مساحات الحراك الثقافي والأدبي، وأكد على أهميّة أن تنحاز العناوين والأفكار التي تقدم وتطرح لمواضيع جادة تلامس المشهد الثقافي، وتمنح دلالات عميقة على أنّ كل الذين يتربعون في مناطق التخطيط والإعداد والابتكار وصناعة الفارق هم من أهل المشهد ورواده والمتشبعين به والعارفين بكل دهاليزه وتفاصيله، ليزال اللبس الدائر حول أن عدداً لا بأس به تيسرت لهم مواقع وظيفية لم تكن تنتظر سوى فرق عمل تجمع بين النشاط البدني والمعرفة المتراكمة والرغبة في إحداث التغيير المبني على حب ورغبة وتعطّش، لا التجريب وخوض المرحلة كيفما اتفق بصرف النظر عن النتائج المرجوة.
وعدّ الشاعر إبراهيم زولي في مطلع عام 2026، الثقافة السعودية أكثر حضوراً واتساعاً من أي وقت مضى، بفضل التحولات الكبرى التي أطلقتها رؤية السعودية 2030، تلك الرؤية التي جعلت من الثقافة أحد محركات التنمية المستدامة، ومن المثقف شريكاً في بناء الوعي وتحقيق التوازن بين الأصالة والتجديد، مؤكداً نجاحها في جعل الثقافة جزءاً من الخطاب اليومي للمجتمع، وأن تؤسس بنية تحتية متماسكة من الهيئات والمبادرات والبرامج، أسهمت في فتح الأفق أمام المبدعين في مجالات الأدب والفن والترجمة والنشر والفكر. ولم تعد الثقافة نشاطًا نخبوياً، بل ممارسة وطنية تعكس هوية المملكة وتعدد روافدها الحضارية، ويرى أنها تؤدي دوراً محورياً في رسم المشهد الثقافي الجديد، من خلال تنظيم المعارض الدولية، وبرامج دعم المؤلفين والمترجمين، وتمكين دور النشر، وتوسيع حضور الأدب السعودي عالمياً عبر الترجمة والمشاركة في المحافل الدولية. وتطلّع زولي إلى خطوات نوعية جديدة تعزيز استدامة المشروعات الثقافية، ودعم التفرغ الإبداعي للمؤلفين، وتوسيع شبكة الجوائز الوطنية، وتطوير برامج النقد الأدبي والترجمة العلمية، إضافة إلى تفعيل الشراكات بين الهيئات والجمعيات الثقافية المتخصصة في مختلف مناطق المملكة، لخلق بيئة ثقافية ناضجة تُقدّر التجربة وتحتفي بالمنجز، تتيح للمبدع أن يكون صوتاً وفاعلاً في المشهد العالمي، مستنداً إلى رؤية وطنية تؤمن بأن الثقافة ليست ترفاً، بل ركيزة من ركائز المستقبل السعودي المشرق.
ويرى الناقد الدكتور سعد الرفاعي أن التطلعات من الثقافة كبيرة بحجم طموحها ودورها التنموي في الرؤية... وأن التطلع من الهيئات أكبر من واقعها، كون الآمال مرسومة لاستحقاق وجودها، وعدّ الجمعيات باعتبارها الجهات التنفيذية للمشاريع والبرامج الثقافية، قناة تواصل فاعل مع المستويات العليا، ومساحة دعم أكبر في المقرات أو في الكوادر البشرية المؤهلة التي تبحث عن فرص حقيقية في جهات جذب لا طرد، أو محطة عبور مؤقتة. ويؤكد الرفاعي أن فكرة الهيئات والجمعيات حضارية تدعم المجتمع المدني الإيجابي المسهم في الحراك الوطني التنموي، وتضمن تقارب الرؤى والأفكار، بتفعيل التواصل بين هذه القطاعات، ولاسيما ذات الاهتمام المتصل بالأدب وهيئة الأدب، وتجسير العلاقات النوعية فيما بين الجمعيات ذات الموضوع المشترك كالجمعيات المتجهة للطفل مثلاً، فبينها قواسم مشتركة يمكن العمل عليها معاً حتى إن اختلفت المرجعية الفنية، ليتسنى لها مواجهة التحديات والوقوف على الاحتياجات، وتذليل الصعوبات، وتطلّع إلى تعميم البيوت الثقافية التي يمكن أن تكون داعماً للجمعيات في تنفيذ مناشطها في ظل عدم توفر المقرات الخاصة.
فيما طالب الروائي طاهر الزهراني بالاهتمام بكتب الرواد، وإخراجها في سلسلات مثل أعمال العواد وعبدالكريم الجهيمان وعبدالعزيز مشري وحمزة شحاتة وجارالله الحميد، إضافة إلى تجويد المخرجات بحيث توضع معايير للجودة، مشيراً إلى أهميّة أن تكون الترجمة للأدب السعودي عبر مترجمين ثقة ودور نشر أجنبية مهمة ومعتبرة، وطالب بجائزة مستقلة تخص الرواية السعودية.
وتطلّع الكاتب لاحق العاصمي إلى تسليط الضوء على الأسماء الشابة والجادة في علاقتها بالأدب كتابة وقراءة، وتجاوز القضايا المكرورة التي لم تعد صالحة للمرحلة، ولا يمكنها إضافة ما يثري للمشهد الثقافي عموماً والأدبي خصوصاً، ولفت العاصمي إلى أنّ السعودية اليوم وثابة ومتقدمة على جميع الأصعدة والمستويات، والواجب على المؤسسات الثقافية أن تكون بمستوى وحجم هذه القفزات المتسارعة والمتقدمة لتواكب جميع مؤسسات هذا الوطن الطموح، فيما أكد الشاعر سعود الهملاني، أنّ الآمال والتطلعات لشاب في عمره وفي بداية مسيرته الثقافية تكون كبيرة من الثقافة بشكل عام ومن هيئاتها ومن الجمعيات التي يتطلع أن تكون جسراً يساعد في العبور لمستويات أعلى تختصر الزمن والجهد، وطالب بأن تكون لدى هذه المؤسسات خبرة في التعامل مع المثقفين على مختلف مستوياهم من المبتدئين إلى الرموز، ودراسة احتياجاتهم الثقافية والعمل على تلبية ما يمكن تحقيقه.
ولفت الهملاني إلى أنّ الثقافة عمل فردي يشتغل فيه المثقف بأدواته المتاحة دون النظر إلى أحد، لكنّ حساسية المثقف تجعله يستشعر قيمة الرعاية والاهتمام مما ينعكس إيجاباً على حركته الثقافية أياً كان مسارها.
وتطلّع إلى الوصول للمثقف الحقيقي والخجول في الغالب ودفعه للساحة الثقافية واستنطاقه فيما يملك من فكر أو إبداع ودفعه للاستمرار.
وتطلّع الروائي سالم الصقور إلى أن تُعامل الثقافة باعتبارها قوّة حقيقية ومصدر تنوّع، وأحد المستهدفات الجوهرية لرؤية 2030، لا كملف ثانوي أو واجهة شكلية. وقال «ما نحتاجه أن يكون أصحاب القرار في المؤسسات الثقافية مؤمنين فعلاً بالثقافة، أو على الأقل واعين بقيمتها، لا متعاملين معها بتوجّس دائم وعداء غير مبرر، ولا مختزلين لها في أنشطة موسمية وحسابات تسويقية»، ويرى أن الثقافة الجادة المرفودة بإيمان حقيقي تتحول إلى طاقة تغيير وبناء مستدام.
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة عكاظ ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من عكاظ ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
