مارلين سلوم
شاهدنا أفلاماً كثيرة تناولت سيرة حياة نجوم ومشاهير بعيداً عن الأضواء، ومعاناتهم في مراحل الفشل، أو إحساسهم بالوحدة حين يعودون إلى منازلهم، وينفضّ من حولهم الجميع، وحين تتراجع نجوميتهم، وينساهم الجمهور، وتبتعد عنهم الصحافة، وشعرنا في كل مرة بالتعاطف معهم، وبالشفقة عليهم. لكن المخرج الأمريكي نواه باومباخ، لم يكتف بأخذنا إلى الكواليس، بل قدم لنا فيلماً فلسفياً عميقاً في معانيه، بسيطاً في أحداثه، بطله يشبه كل الممثلين، كأنه يحمل مرآة تعكس حقيقة ما يعيشه النجوم خلف الأضواء، معاناتهم الواقعية، علاقاتهم بكل المحيطين بهم حتى أقرب الناس إليهم، وعلاقتهم بالجمهور، وإحساسهم بالشهرة، وانعكاسها عليهم. ومع جورج كلوني، وآدم ساندلر، تصبح متعة مشاهدة «جاي كيلي» مضاعفة، والفيلم استثنائياً.
نسمع من أفواه النجوم أن حياتهم الشخصية ليست سهلة، إنما هذا لا يعني أن يفهم الجمهور طبيعة الصعوبات والأزمات التي يمرّون بها، بل إن هناك فئة تعتبر أن الشهرة كافية لجعل أيّ إنسان سعيداً، وينعم بالرفاهية الزائدة، ومحصّناً من كل مشاعر الحزن والوحدة، وأن النجومية تمنح المرء المال، وراحة البال، وتصبح بين يديه كالعصا السحرية التي تحقق له كل أمانيه، وأكثر. «جاي كيلي» الذي تعرضه منصة «نتفليكس»، يكشف العكس تماماً، كتبه نواه باومباخ، وشاركته فيه إميلي مورتيمر، ليقطع الشك باليقين، لم يتناول قصة حياة نجم حقيقي يعرفه الجميع، بل اختار شخصيات من خياله ألبسها زيّ الحياة الواقعية، وجعل أبطاله حقيقيين، وكل ما تشاهده يعكس رسائل عميقة تنطق بلسان كل ممثل مشهور، أو كل فنان صار نجماً، واللافت أن ترى أمامك جورج كلوني يجسد شخصية ذلك الممثل المشهور، فتشعر في لحظات معيّنة كأنه انعكاس مرايا يقف أمامها شخص، واحد فيتكرر الوجه تلو الآخر.
كلوني يجسد ما يمكن أن يكون حقيقياً في حياته الشخصية، وما ينطبق على باقي زملاء المهنة، من خلال البطل جاي كيلي، الممثل الأمريكي المشهور، والذي نراه يؤدي آخر مشهد له في فيلم من بطولته، كاميرا المخرج نواه باومباخ تتجول في الكواليس، كيلي يعيد اللقطة، وبعد انتهائه من المشهد يطلب إعادة تصويره، ما يعكس قلقه وإحساسه بأنه يستطيع تقديم الأفضل في كل مرة. في المشهد يقدم باومباخ أكثر من فكرة. أولاً، نرى حرفية الممثل الدائم القلق، والمهموم بتقديم أفضل ما لديه في عمله، وإحساسه المستمر بأنه لم ينجح كما يجب، ثانياً، يجسد كيلي في المشهد بطلاً أصيب برصاصة، ويواجه الموت وهو جالس في الشارع، أي أنها نهاية حياة بطل، فكرة الموت بحد ذاتها تجعل كيلي يفكر في حياته الشخصية، ما يعني تأثر الممثل بالشخصية وبالقصة، أو بعض المعاني الإنسانية التي تمسه شخصياً.
يعود كيلي إلى بيته (طبعاً فيلا) ويتحدث مع ابنته ديزي (جرايس إدواردز)، عن الاستعداد لقضاء الإجازة معاً، ليفاجأ بأنها تستعد للسفر مع أصدقائها في رحلة إلى منطقة في إيطاليا، حيث يقام مهرجان للجاز، يطلب منها البقاء كي لا يقضي الإجازة وحيداً، فيصعقه ردّها «أنت لم تكن يوماً وحيداً»، الرد يبدو بسيطاً، لكنه في الواقع عميق، هو يشعر بالوحدة ويهرب منها، بينما في نظر ابنته، وكل الآخرين، أنه محاط دائماً بالناس، ولا يعرف معنى الوحدة، لذلك استغربت طلبه منها أن تبقى معه، واستغرب هو ردّها بأنه لم يكن يوماً وحيداً.
وبعدما رفض السفر لاستلام جائزة تكريمية له من أجل البقاء مع ابنته، يقرر فجأة السفر، وقبول الجائزة، واللحاق بابنته وأصدقائها، لكن الرحلة تأخذنا إلى حقائق كثيرة، يكتشف كيلي أنه لم يعرف كيف يكون أباً حاضراً في حياة ابنتيه ديزي وجيسيكا (رايلي كيو)، وأنه لم يشاركهما أهم اللحظات، جيسيكا تتعالج لدى طبيب نفسي، ولم يعرف كيف يكون زوجاً جيداً، وكل من حوله ليسوا أصدقاء حقيقيين، حتى رفيق دربه الطويل الذي يتولى إدارة أعماله رون (آدم ساندلر)، والاتفاقات مع شركات الإنتاج للتعاقد على بطولة أفلام، منافق ويعمل بنفس الروح والتودّد مع نجم آخر، من دون علم كيلي.
الدرجة الاقتصادية
رحلة يعيد جاي كيلي اكتشاف نفسه وحياته فيها، كأنه رجل مستعد لخوض غمار الحياة لأول مرة، بعد انغماسه في عالم آخر، منذ سنوات، رجل عاش داخل شخصيات كثيرة بحكم عمله في التمثيل، ولم يعش حياته الشخصية. السيناريو جيد، والقصة مثالية، لكن نواه باومباخ يجنح، في مراحل معيّنة، نحو النمطية قليلاً في الإيقاع، ويترك لجورج كلوني وآدم ساندلر المساحة الكافية للتأثير بسحر أدائهما في الجمهور، كتعويض عن بعض الهبوط والبطء في الإيقاع في مشاهد معيّنة. نجم يهرب من بريق الشهرة، ومن مهنته، كأنه يريد أن يخلع عن جلده كل تلك الشخصيات التي لبسها طوال رحلته العملية، ومن المشاهد الجميلة انبهار جاي كيلي، وسعادته بالتواجد في القطار مع أناس عاديين، في مقصورة الدرجة الاقتصادية، لا الدرجة الأولى، ولا رجال الأعمال، ولا أيّ معاملة خاصة.
أحداث متعددة تتوالى لتؤكد لجاي كيلي أنه حان وقت التفكير في حياته، منها وفاة المخرج الذي منحه فرصته الأولى في التمثيل، بيتر شنايدر (جيم برودبنت)، يتذكر كيلي آخر لقاء له مع شنايدر في منزله، منذ مدة ليست بعيدة، حيث كان المخرج يتوسل إليه من أجل الموافقة على المشاركة في آخر فيلم سيصوره، ثم يطلب منه، على الأقل، وضع اسمه فقط على مشروعه للحصول على التمويل، لكن كيلي استمر في الرفض، ولم يمنح الرجل الذي يدين له بالكثير من حياته فرصته الأخيرة، وفي الجنازة يلتقي كيلي بصديق قديم تيموثي (بيلي كرودوب)، صداقة فيها شيء من الغرابة نكتشف تفاصيلها سريعاً، حيث يخرج الاثنان إلى مطعم لاستعادة ذكريات شبابهما، وبداية حلم التمثيل، ثم يتحول المرح إلى شتائم، ويُظهر تيموثي كرهه لجاي كيلي لأنه سرق منه حلمه في التمثيل، وأنهى حياته، فلو لم يُحضر تيموثي، كيلي معه لدعمه في تجربة أداء أمام بيتر شنايدر، لما وقع اختياره على كيلي، وترك تيموثي يجر خيبته وانكساره وحيداً.
تعب وإرهاق
قرار جاي كيلي السفر إلى إيطاليا للعثور على ابنته وقبول التكريم، جاء نتيجة مجموعة من الحقائق التي هزته، ومن الطبيعي أن يفرض على رون ومسؤولة العلاقات العامة ليز (لورا ديرن)، مُجاراته، هنا أيضاً يكشف المخرج عن وصول فريق عمل النجم إلى مرحلة من التعب والإرهاق، تجعلهم يقررون التخلي عنه فجأة، والالتفات إلى حياتهم الشخصية، وقضاء العطلة مع عائلاتهم، أو التخلي عن العائلة من أجل المصلحة المادية كما يفعل رون، لكن نواه باومباخ يجعلك تتساءل: هل هي علاقة مصالح بين رون وكيلي، أم هي صداقة حقيقية؟. من أجمل مشاهد الفيلم لحظة قرار الفراق، ومغادرة رون تاركاً كيلي وحيداً، ثم حوارهما، وقول كيلي «أنت صديقي الوحيد»، النجم ومدير أعماله وجهان لمعاناة واحدة، الابتعاد عن الأسرة، والغياب عن أهم المناسبات العائلية، وأجمل الأوقات مع الأبناء، من أجل المهنة، وتتخلل الفيلم عبارات تتناول مشكلات الشهرة، منها قول ابن بيتر في جنازته «لم يكن أبي موجوداً أبداً»، نفس الكلمات التي قد تقولها ابنتا كيلي، وأبناء رون. كذلك حين تتحدث جيسيكا عن ألم رؤية والدها يؤدي دور الأب الحنون على الشاشة، وهي لم تشعر بحنانه في الواقع.
أسئلة يطرحها فيلم «جاي كيلي» لنظرة فلسفية حول ما قد يعانيه الممثل المتمرّس، والذي قد يكون تشكّل في داخله تراكم شخصيات اكتسبها من أدوار خيالية، وبريق الشهرة، وساقته بعيداً عن واقعه الحقيقي، وعن أسرته واحتياجاتها، ليجد نفسه وحيداً حين يبتعد عن الأضواء، وبريقها، وضوضائها، مع إشادته بحب الجمهور الحقيقي الذي يصادف الفنانين في أماكن عامة، ويتعرف إليهم، ويتعامل معهم ببساطة وعفوية.
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة صحيفة الخليج ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من صحيفة الخليج ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
