في أقصى الشمال المتجمد، حيث تلتقي الثلوج بالأطماع السياسية، لم يعد الشاب "مورغان أنغاجو" الذي يعيش في مدينة إيلوليسات الواقعة غرب جرينلاند يخشى ذوبان الجليد، بل بات قلقًا بشأن حدود وسيادة بلاده، فمع تصاعد نبرة البيت الأبيض التي لا تعترف بالخطوط الحمراء، تحولت الأنظار من فنزويلا إلى القطب الشمالي، وباتت الجزيرة تمثل الهدف التالي للرئيس "ترامب".
هذا القلق الذي يعيشه "أنغاجو"- البالغ من العمر 27 عامًا – نابع من متابعته لتصريحات "ترامب" وهو يتحدث عن الجزيرة وكأنها ملكية مستحقة، وتساءل الشاب في مقابلة مع هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي": هل سيواجه رئيس وزراء جرينلاند "ينس فريدريك نيلسن" نفس مصير الرئيس الفنزويلي "نيكولاس مادورو"؟
جرينلاند – البالغ عدد سكانها 57 ألف نسمة- هي منطقة قطبية غنية بالموارد الطبيعية تتمتع بحكم شبه ذاتي منذ عام 1979، لكنها تابعة للدنمارك العضو في حلف شمال الأطلسي الذي يتوقع من حلفائه تقديم الدعم المتبادل حال وقوع هجمات خارجية، إلا أن الولايات المتحدة - وهي العضو المؤسس للناتو - قد تصبح الخطر الأكبر الذي يهدد الحلف.
استغلال الثروات
تزخر الجزيرة – التي تمتد على مساحة تزيد على 800 ألف ميل مربع - برواسب غير مستغلة من العناصر الأرضية النادرة، لذلك يتزايد اهتمام روسيا والصين وبالطبع الولايات المتحدة بها.
بعد اعتقال "مادورو"، أعلن "ترامب" أن السلطات المؤقتة في فنزويلا ستسلم ما بين 30 و50 مليون برميل من النفط عالي الجودة، الخاضع للعقوبات إلى الولايات المتحدة، مما يعني الاستفادة من ثروات البلاد النفطية، والآن تتجه الأنظار نحو الثروات التي تحتضنها جرينلاند.
يسهل ذوبان الجليد الوصول إلى رواسب جرينلاند الغنية بالمعادن، رغم أن تطوير هذه الموارد لا يزال يمثل تحديًا نظرًا للبيئة القاسية والبعد الجغرافي ونقص البنية التحتية والمخاوف بشأن الآثار البيئية وعلى سبل العيش التقليدية هناك، وفي عام 2023، لم يكن هناك سوى منجمين عاملين فقط، إلى جانب عدد قليل من المشاريع الأخرى قيد التطوير.
تضم الجزيرة رواسب كبيرة من العناصر الأرضية النادرة اللازمة لتصنيع البطاريات والتقنيات المتعلقة بالطاقة الشمسية والمعدات العسكرية المتطورة، وترى فيها الولايات المتحدة فرصة لتقليل اعتمادها على الصين التي تهيمن على سلاسل إمداد تلك المعادن.
إلى جانب ذلك، أشار تقرير صادر عن هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية في عام 2007 إلى وجود احتياطيات كبيرة من النفط والغاز قبالة سواحل جرينلاند، ورغم ذلك أوقفت حكومة الجزيرة إصدار تراخيص جديدة للتنقيب في 2021، مشيرة إلى مخاوف بشأن الجدوى الاقتصادية والآثار البيئية للحفر.

هدف رئيسي للسياسة الخارجية
تعود جذور المصالح الاستراتيجية الأمريكية في جرينلاند إلى القرن التاسع عشر، لكن لم يظهر التواجد الأمريكي المكثف في الجزيرة إلا مع اندلاع الحرب العالمية الثانية، وخلال الحرب الباردة حرصت أمريكا على حماية مصالحها الأمنية هناك، وفي فترة رئاسة "ترامب" الأولى اقترح شراءها، أما الآن فيعرب عن رغبته في ضمها حتى ولو بالقوة العسكرية.
لطالما أشارت الإدارة الأمريكية إلى سعيها لإقناع الدنمارك بتسليم السيطرة على جرينلاند، إذ يرى "ترامب" ضرورة السيطرة على الجزيرة الأكبر في العالم لتعزيز حماية القطب الشمالي من روسيا والصين، وتحدث علنًا عن ضرورة منح الحكومة الأمريكية والشركات المزيد من الوصول إلى المعادن الحيوية في الجزيرة.
ورغم رد الحكومة الدنماركية باقتراحات منها إمكانية نشر المزيد من القوات في جرينلاند والحصول على حقوق تعدين جديدة ومحسنة، إلى جانب استثمارها في البنية التحتية الأمنية للجزيرة من أجل معالجة مخاوف "ترامب" بشأن الأمن في القطب الشمالي، كما أعلنت الدنمارك خططًا لإنفاق مليارات الدولارات على أسلحة جديدة.
إلا أن الجانب الأمريكي قلل من شأن تلك التحركات، وعاد مصير الجزيرة إلى الواجهة مرة أخرى في أعقاب التدخل العسكري الأمريكي في فنزويلا واعتقال "مادورو"، صرح "ترامب" بأنه قد يتخذ إجراءات ضد عدد من الدول بما فيها كولومبيا والمكسيك، وأكد مجددًا رغبته في ضم جرينلاند ذات الأهمية الاستراتيجية البالغة.
وفي تكتيكات منسقة لتصعيد الضغط، تساءل "ستيفن ميلر" مستشار الأمن القومي الأمريكي – والذي لعب دورًا محوريًا في عملية اعتقال "مادورو – بأي حق تدعي الدنمارك سيطرتها على جرينلاند؟ لن يخوض أحد حربًا عسكرية ضد الولايات المتحدة من أجل مستقبل جرينلاند، ونشرت زوجته "كاتي ميلر" مؤخرًا عبر منصة "إكس" صورة لجرينلاند – التالية - بألوان العلم الأمريكي مع التعليق "قريبًا".
وفي تصعيد للضغوط الأمريكية للسيطرة على المنطقة الدنماركية شبه المستقلة، تدرس إدارة "ترامب" خيارات منها استخدام القوة العسكرية للسيطرة على جرينلاند، إذ يعتبر ضم الجزيرة أولوية للأمن القومي الأمريكي.
وبالفعل، لدى الولايات المتحدة قاعدة عسكرية في جرينلاند، لكن خفضت وجودها في الجزيرة القطبية من ذروة الحرب الباردة التي تجاوزت 10 آلاف جندي إلى أقل من 200 جندي.
الخوف من عمل عدواني
في عام 2009، نص قانون بوضوح على أن قرار الاستقلال عن الدنمارك بات بيد شعب جرينلاند، ولا شك أن غالبية سكانها يرغبون في اللجوء إلى هذا الخيار في النهاية، إلا أن استطلاعات الرأي تظهر أن أغلبهم يعارضون الانضمام إلى الولايات المتحدة، ويشعر بعض المشرعين في أمريكا ومسؤولين في أوروبا بالقلق من أن العملية العسكرية الأمريكية الأخيرة للإطاحة بـ "مادورو" تشير إلى أن "ترامب" أصبح أكثر انفتاحًا على استخدام القوة من أي وقت مضى خلال فترتي رئاسته.
حتى أن ستة من قادة أوروبا انضموا إلى رئيسة الوزراء الدنماركية "ميتي فريدريكسن" في بيان مشترك استثنائي يدعون فيه أمريكا إلى العمل بشكل جماعي مع الحلفاء لمعالجة المخاوف الأمنية في القطب الشمالي، وأكدوا أن جرينلاند ملك لشعبها، وللدنمارك والجزيرة وحدهما الحق في البت في القضايا المتعلقة بهما.
وأكدت "فريدريكسن" أن كل شىء سينتهي حال هاجمت أمريكا دولة من دول الناتو للاستيلاء على جرينلاند، قائلة: المجتمع الدولي والقواعد الديمقراطية وحلف الناتو – أقوى تحالف دفاعي في العالم – كل ذلك سينهار إذا اختارت دولة من دول الناتو مهاجمة دولة أخرى.
ومن ناحية أخرى، قد تؤدي التهديدات الموجهة نحو أعضاء الناتو إلى زيادة عدم اليقين في أوروبا، وتشجيع روسيا أكثر على المزيد من استخدام القوة العسكرية في الوقت الذي يسعى فيه "ترامب" لإنهاء الحرب في أوكرانيا.
استعراض القوة وتجاوز الحدود.. بينما يعاد رسم خارطة النفوذ العالمي بالقوة العسكرية، برزت جرينلاند كحجز زاوية في أجندة "ترامب" السياسية والاقتصادية، وتحولت إلى أولوية أمن قومي تضع حلف الناتو أمام اختبار وجود: هل تلتهم القوى العظمى أراضي الحلفاء من أجل ثروات باطن الأرض؟
المصادر: أرقام – بي بي سي - المركز الدنماركي للدراسات الدولية – "هارفارد كينيدي سكول" - ذا كونفرزيشن - وول ستريت جورنال – فاينانشال تايمز
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة ارقام ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من ارقام ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
