د. رامي كمال النسور *
لم يكن أداء النحاس في عام 2025 حدثاً عابرًاً في أسواق السلع، بل جاء انعكاساً لتحوّلٍ هيكلي في مكانة هذا المعدن الاستراتيجي داخل الاقتصاد العالمي، فكما استعاد الذهب بريقه كملاذٍ آمن في زمن الاضطراب، برز النحاس بوصفه معدن التحول الصناعي والطاقي، مستفيداً من تلاقي عوامل اقتصادية وجيوسياسية واستثمارية في آنٍ واحد.
فقد شهد عام 2025 ارتفاعاً ملحوظاً في أسعار النحاس، حيث تشير بيانات مؤشر أسعار النحاس إلى أن الارتفاع السنوي بلغ نحو 43% بنهاية العام، في مسار صاعد واضح، مدعوماً بزيادة قوية في الطلب العالمي مقابل قيود متزايدة على جانب المعروض، وتميّز هذا الصعود بكونه أقل اندفاعاً مقارنة ببعض السلع الأخرى، لكنه أكثر استدامة، ما عزّز قناعة المستثمرين بأن النحاس لم يعد مجرد معدن صناعي دوري، بل أصل استراتيجي طويل الأجل.
وعند البحث في أسباب تألق النحاس في 2025، يبرز التحول في أنماط الطاقة عالمياً بوصفه العامل الأهم، فقد شكّل التحول نحو الطاقة النظيفة المحرك الرئيسي للطلب على النحاس، باعتباره عنصراً أساسياً في شبكات الكهرباء، والطاقة الشمسية، وطاقة الرياح، والسيارات الكهربائية، والبنية التحتية لمحطات الشحن. ومع تسارع خطط إزالة الكربون عالمياً، ارتفع الطلب الهيكلي على النحاس بوتيرة تفوق نمو العرض.
ويأتي بعد ذلك، وربما على القدر نفسه من الأهمية، التوسع في الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات، إذ شهد عام 2025 نمواً كبيراً في هذه القطاعات كثيفة الاستهلاك للنحاس، سواء في الكابلات، أو أنظمة التبريد، أو شبكات نقل الطاقة، ما أضاف بُعداً جديداً للطلب يتجاوز القطاعات الصناعية التقليدية.
أما على جانب العرض، فقد واجه القطاع تحديات هيكلية واضحة، أبرزها تراجع الاستثمارات في مشاريع التعدين خلال السنوات السابقة، وارتفاع كُلف الاستخراج، إضافة إلى الاضطرابات العمالية والبيئية في عدد من الدول المنتجة، هذا الخلل المستمر بين العرض والطلب شكّل أحد أهم عوامل الدعم للأسعار.
وكما استفاد الذهب من ضعف الدولار والتحول نحو السلع كأداة تحوط، استفاد النحاس بدوره من إعادة توجيه المحافظ الاستثمارية في ظل التضخم وعدم اليقين الجيوسياسي، ما عزّز الطلب الاستثماري على المعدن.
وهنا يبرز السؤال: هل سار النحاس فعلاً على خطى الذهب؟
ورغم اختلاف طبيعة المعدنين، إلا أن عام 2025 أظهر تقارباً لافتاً في سلوكهما السعري. فالذهب قاده الخوف وعدم اليقين، بينما قاد النحاس الأمل بالتحول الصناعي والطاقي، وفي الحالتين، أعاد المستثمرون تقييم دور المعادن في الاقتصاد العالمي الجديد.
ومع دخول عام 2026، يبرز التساؤل حول آفاق أسعار النحاس خلال المرحلة المقبلة، والإجابة عن هذا السؤال لا يمكن اختزالها في عامل واحد، إذ ترتبط بمجموعة من المتغيرات الاقتصادية والهيكلية التي ستحدد الاتجاه العام للأسعار، مع تفاوت تأثير كل عامل من حيث القوة والزخم والتوقيت.
في المجمل، يُتوقع أن يواصل النحاس أداءه الإيجابي في 2026، مدعوماً بالطلب الهيكلي طويل الأجل، وإن كانت وتيرة الصعود مرشحة لمزيد من التذبذب في ظل احتمالات تباطؤ النمو الاقتصادي العالمي، وفي حال تحقق هذا التباطؤ، قد يتعرض النحاس لضغوط دورية قصيرة الأجل، إلا أن مشاريع الطاقة، والبنية التحتية، والذكاء الاصطناعي مرشحة للحفاظ على حد أدنى قوي من الطلب.
وفي المقابل، وحتى مع ارتفاع الأسعار، من غير المرجح أن تُسد فجوة المعروض سريعاً، نظراً لطول دورة الاستثمار في التعدين، ما يبقي السوق في حالة شح نسبي داعمة للأسعار.
لقد أثبت عام 2025 أن النحاس لم يعد مجرد مرآة لدورة الاقتصاد الصناعي، بل أصبح مؤشراً على تحولات أعمق في بنية الاقتصاد العالمي، وعلى خطى الذهب، تألق النحاس، لكن بدوافع مختلفة، فبينما يحتمي المستثمرون بالذهب من المخاطر، يراهنون على النحاس بوصفه معدن المستقبل، ومع دخول عام 2026، يقف النحاس أمام معادلة دقيقة: فرص نمو هيكلي قوية تقابلها مخاطر دورية، ليبقى واحداً من أكثر المعادن إثارة للاهتمام في المرحلة المقبلة.
* مستشار في الأسواق المالية والحوكمة والاستدامة
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة صحيفة الخليج ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من صحيفة الخليج ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
