أحمد عبدالملك، علامة قطرية مسجلة في عالم الإعلام المسموع منذ أواسط عقد السبعينات، بعد أن أطلقت إذاعة قطر بثها بدءاً من 25 يونيو 1968، ثم صار وجهاً مألوفاً على شاشة التلفزيون القطري، بُعيد تأسيس قناة الدولة الرسمية سنة 1970، لتتوالى رحلته الإبداعية وينتشر اسمه ككاتب صحفي في أولى مطبوعات البلاد وهي مجلة «العروبة»، التي أسسها عميد الصحافة القطرية وعرابها المرحوم عبدالله بن حسين نعمة (1915 ــ 1995) في عام 1070.
ومن كتابة المقالات الأدبية والاجتماعية، انطلق عبدالملك ليخوض تجربة الكتابة القصصية والروائية ويصبح واحداً من أبرز أعمدتها في الخليج.. يصدر الرواية تلو الرواية، ويضمّنها قصصاً وحكايات مشوقة من واقع التحولات الاجتماعية والثقافية التي شهدتها قطر ودول المنطقة، أو من واقع ما مرّ به هو ومجايلوه من تجارب. وما بين هذا وذلك، لم ينسَ الرجل عشقه الأول (المايكرفون) وذكرياته كمذيع في شبابه المبكر. إذ ظل مخلصاً للإذاعة والتلفزيون، يتقصى أخبارهما ويحاول الإسهام، ما استطاع إليه سبيلاً، في تطويرهما من خلال دورات وورش عمل للمذيعين والمذيعات الجدد من الكوادر الوطنية، إذ إن أكثر ما يؤرقه ويزعجه هو تساهل المذيعين الجدد إزاء الأخطاء النحوية واللفظية التي يقعون فيها أثناء قراءتهم نشرات الأخبار أو تقديم البرامج الحوارية أو التعليق الرياضي. وأكثر برهان على ذلك هو قيامه بتتبعهم ورصد أخطائهم وتنبيههم إليها من خلال تغريدات على حسابه بمنصة «X».
تعرفت عليه شخصياً في العقود الثلاثة الماضية، وربطتنا زمالة المهنة وهواية السفر بوشائج حميمة، خصوصاً أننا من جيل واحد، وشهدت حياة كل منا أحداثاً وتطورات وحكايات مشابهة. ثم ترسخت علاقتنا أكثر فأكثر من خلال مشاركتنا معاً في العديد من المنتديات الفكرية والإعلامية والثقافية داخل الخليج وخارجه، ناهيك عن لقاءاتنا في البحرين التي يحبها ويتردد عليها، وله فيها أهل وخلان.
وُلد أحمد جعفر عبدالملك الحمادي في الدوحة في 1 يناير 1951، ابناً لأسرة عاشت سنوات طويلة بمدينة المحرق البحرينية، قبل أن تنتقل إلى قطر، حيث أكمل صاحبنا تعليمه الابتدائي والإعدادي والثانوي، وسط ظروف معيشية صعبة وانعدام لأي نوع من أنواع الرفاهية في الطعام أو اللباس أو النقل، ليدخل سوق العمل مبكراً من خلال وظيفة كتابية بالبنك البريطاني في منطقة الجسرة براتب 400 ريال شهرياً، ولينضم في الوقت نفسه في عام 1967 إلى فرقة الأضواء الموسيقية، التي كانت وقتها تحت قيادة الموسيقار القطري الراحل عبدالعزيز ناصر، وهي الفرقة التي وجد فيها صاحبنا حلاً لمعضلة الفراغ التي كان يشكو منها ومعضلة الفشل في هوايات الغناء والعزف. ففيها أينعت وأزهرت مواهبه في كتابة المسلسلات الإذاعية منذ عام 1969. والحقيقة، أن تلك المسلسلات كانت مدخله إلى الإذاعة القطرية التي فتحت أبوابها آنذاك لأعضاء فرقة الأضواء من موسيقيين وممثلين وكتاب نصوص تمثيلية، وكان مديرها عبدالرحمن المعضادي خير داعم لهم.
تم قبول عبدالملك في الإذاعة مذيعاً للنشرات الرئيسية بدءاً من عام 1974. وحول هذا المنعطف في حياته المهنية كتب في كتابه الموسوم «بوح السبعين» الصادر في عام 2023 «كان دخولي إلى الإذاعة نقلة كبيرة في حياتي، غيرت مزاجي ونبهتني إلى موهبتي في الكتابة، وأدخلتني عالم الثقافة والفن، وعرفتني كيفية إعداد وتقديم البرامج واختيار المؤثرات الصوتية، وكانت امتحاناً مهماً لمدى قدرتي على التأليف وتحفيزاً لذائقة الخيال لدي».
ومن الإذاعة انتقل إلى التلفزيون، واستطاع أن يقاوم خجله وارتباكه وينجح مذيعاً ومقدم برامج تلفزيونية مشوقة، ويتعلم الكثير من مديره الفلسطيني «جواد مرقة» ومن زملائه فوزي الخميس وطلال السادة وعبدالعزيز السيد وعبدالله فرج وعبدالله السعدي وغيرهم، وزميلاته كوثر مطر وليلى الأطرش وذهبية غابي، هذا علاوة على اكتسابه ثقافة ومعارف غزيرة من خلال إيفاده من قِبَل التلفزيون إلى بعض الدول الخليجية والعربية بهدف عمل تحقيقات مصورة عنها وإجراء حوارات مع مبدعيها ورموزها.
وهكذا استمر في عمله التلفزيوني حتى عام 2004، الذي شهدت انتقاله إلى الحقل الأكاديمي مدرساً لمادة الإعلام، وإلى الحقل الأدبي قاصاً وروائياً، مع استمراره في كتابة المقالات الأدبية والسياسية ونشرها في الجرائد القطرية والخليجية والعربية، علماً أن أول مقال نشره كان في زاوية «براعم أدبية» بمجلة «الدوحة» تحت عنوان «درس من الواقع» في عام 1969، وحينما ظهرت مجلة «العروبة» انضم إلى كتّابها بدعم من مالكها ورئيس تحريرها المرحوم عبدالله حسين نعمة، الذي كان يصرف له 25 ريالاً عن كل مقال، غير أن فائدته من الانضمام إلى كتّاب هذه المجلة القطرية الوحيدة آنذاك كانت أكبر بكثير من المكافأة المادية. ففي أحضانها لمع اسمه ككاتب مقال واكتسب خبرات لا تقدر بثمن من مخالطته لزملائه الكتاب والصحفيين العرب. ومن «العروبة» انتقل للكتابة في شقيقتها صحيفة «العرب»، ومن الأخيرة انتقل إلى «الراية» التي لقي فيها الدعم والترحيب من رئيس تحريرها «ناصر العثمان». ومن «الراية» انتقل للكتابة في «الشرق» التي اختير ناصر العثمان لرئاسة تحريرها. وحينما تأسست جريدة «الوطن» في 1995، دعاه رئيس تحريرها آنذاك «أحمد علي» للكتابة فيها، ففعل وطاب له المقام بها لسنوات إلى أن وقع اختيار مجلس إدارة جريدة «الشرق» عليه في عام 2000 ليتولى منصب رئيس التحرير، وهو منصب لم يخطر على باله يوماً ما طبقاً لما كتبه في سيرته. ومن المفيد أن نلفت النظر إلى أن سنوات عمل الرجل في الصحافة تخللتها رحلاته الدراسية في الخارج، فكان يكتب للصحافة من بُعد، مفضلاً عدم الانقطاع عن ممارسة دوره الصحفي التنويري.
منعته ظروفه الخاصة من السفر إلى الخارج فور تخرجه من الثانوية لإكمال تعليمه الجامعي، كما فعل أقرانه، لكن شغفه بالتحصيل العلمي وتحقيق طموحاته دفعاه لاحقاً للدراسة بجامعة بيروت العربية طالباً منتسباً لكلية الآداب بقسم اللغة العربية، لكن اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية في عام 1975 قبل تخرجه بعام واحد، فرض عليه وعلى زملائه أداء امتحانات التخرج في جامعة الإسكندرية سنة 1976. ويتذكر عبدالملك أنه بعد أن عاد الى الدوحة متوّجاً بليسانس الآداب تم تعيينه رئيساً لوحدة النصوص والترجمة في التلفزيون بسبب إتقانه اللغتين العربية والإنجليزية. وبعد فترة قصيرة عُين مراقباً للأخبار. يقول صاحبنا ما مفاده أنه في مراقبة الأخبار عاش أجمل أيام حياته المهنية، رغم شقاء عائلته من كثرة غيابه في التلفزيون، وأنه تعلم الكثير من زملائه العرب في أمور تحرير الأخبار وإخراجها وترجمتها، وتأثر ببعضهم.
حصل في عام 1979 على بعثة دراسية حكومية إلى الولايات المتحدة لنيل درجة الماجستير في الإعلام التربوي، التي حصل عليها بالفعل في عام 1983 من جامعة مدينة نيويورك ــ بافلو، وفي عام 1989 ابتُعث مجدداً، لكن هذه المرة إلى بريطانيا لنيل درجة الدكتوراه في الصحافة، فحصل عليها من جامعة ويلز بمدينة كارديف. وفي ويلز أمضى صاحبنا عدة سنوات، وكانت ترافقه عائلته، حيث كان قد اقترن، من بعد قصة حب رومانسية جميلة، بإحدى قريباته، وهي الشيف المعروف السيدة عائشة التميمي، صاحبة برامج الطبخ المتلفزة والمؤلفات الخاصة بالمطبخ الخليجي، وأنجبت له ابنته البكر، الإعلامية والكاتبة والمستشارة المعروفة «أمل»، وابنه الوحيد «محمد» مسؤول تطوير الكادر الوظيفي بالبنك التجاري وصاحب أول أكاديمية طبخ في قطر.
أخبرنا عبدالملك، أنه بعد عودته من الدراسة في بريطانيا، عرض عليه المسؤولون بوزارة الإعلام القطرية الذهاب إلى الشارقة للمساهمة في تأسيس تلفزيون الشارقة الحكومي، فسافر إلى هناك برفقة زميله مراقب برامج تلفزيون قطر آنذاك «محمد جاسم العلي»، وعاش فترة من الزمن في رحاب الشارقة التي وصفها بالمدينة الحميمية ووصف أهلها بالطيبين والاجتماعيين، أبلى خلالها بلاء حسناً تحت قيادة مدير تلفزيون الشارقة وقتذاك المذيع أحمد سالم، وأضاف إلى خبراته ومعارفه وأصدقائه الكثير. وكان عبدالملك قد عاش قبل ذلك في الكويت لبعض الوقت، حينما تمّ ترشيحه في عام 1977 من قبل تلفزيون قطر ليكون ضمن كوكبة الكتّاب العرب الذين أعدّوا فقرات مسلسل الأطفال «افتح يا سمسم» من إنتاج «مؤسسة الإنتاج البرامجي المشترك لدول مجلس التعاون». كما عاش وعمل في الفترة من عام 1993 إلى عام 1999 بمدينة الرياض مديراً للشؤون الإعلامية بمجلس التعاون الخليجي. حيث عاصر ورافق وعمل مع أمينين عامين من أمناء المجلس هما: الشيخ فاهم بن سلطان القاسمي والشيخ جميل بن إبراهيم الحجيلان.
من الجامعة إلى كلية المجتمع
قلنا إن عبدالملك مارس العمل الأكاديمي أيضاً. ففي عام 1983 تعاون لأول مرة مع جامعة قطر، وقت أن كانت مجرد كلية للتربية، بناء على دعوة من مسؤوليها لتدريس مادتَي «الاتصال» و«الإنتاج التلفزيوني». واستمر في عمله الأكاديمي، بدعم وتشجيع من مدير الجامعة ونائبه وأمينها العام، حتى سنة 2004 حينما شنّ عليه بعض الأساتذة المؤدلجين حملة شعواء لإقصائه بتهمة جمع الطلبة والطالبات تحت سقف واحد، وإخراجهم إلى الحياة العامة، وتشجيع اختلاطهم. تأثر الرجل بما حدث له، وكاد ينسحب من العمل الأكاديمي، لولا أنه التقى في عام 2013، خلال مشاركته في ندوة أقيمت بمكة المكرمة عن الحج، بالدكتور إبراهيم بن صالح النعيمي (وكيل وزارة سابق للتعليم ومدير سابق لجامعة قطر وموظف قديم من موظفي تلفزيون قطر)، وحينما علم الأخير بما حدث له دعاه للتدريس في كلية المجتمع، فقبل عبدالملك العرض، خصوصاً أنه كان وقتذاك بلا عمل منذ إحالته إلى التقاعد في عام 2007. وفي كلية المجتمع، التي أمضى بها حتى الآن نحو 16 سنة، محاضراً في قسم الإنسانيات استمر صاحبنا في العطاء، وحاول أن يمارس العمل الأكاديمي بأساليب جديدة بعيدة عن أسلوب الحفظ والتلقين العقيم، وحقق نجاحات يشهد له بها الجميع.
مشروع كتابة يمتد 4 عقود
قبل أن يدخل عبدالملك عوالم الرواية، وقبل أن يحصد «جائزة كتارا للرواية العربية» مرتين في 2019 و2022 عن روايتَي «ميهود والجنية» و«دخان» على التوالي، وقبل أن يحصد «جائزة فودافون للرواية» عام 2014، و«جائزة فودافون للقصة القصيرة» عام 2016؛ قبل ذلك بسنوات طويلة، أصدرت له المطابع ما بين 1983 و2025 تسعة عشر مؤلفاً من المؤلفات غير الأدبية حملت العناوين التالية؛ «المذيع التلفزيوني: مبادئ ومواصفات»، «الجانب الآخر لنشرة الأخبار التلفزيونية»، «أغسطس الرعب.. توثيق غزو الكويت»، «فضائيات»، «قضايا إعلامية»، «دراسات في الإعلام والثقافة والتربية»، «إعلاميون من طراز جديد»، «اتجاهات صفحات الإذاعة والتلفزيون في الصحف القطرية»، «كيف تكون مذيعاً ناجحاً»، «بلا دبلوماسية - مقالات»، «الدرب المأمون لحديث المايكرفون»، «مجلس التعاون في عيون أبنائه.. رؤى سياسية»، «الرواية القطرية.. قراءة في الاتجاهات»، «عبدالعزيز ناصر.. رحلة الحب والوفاء»، «الأغنية القطرية»، «جاسم صفر.. عاشق الكلمة»، «خفايا الذات وأصول التصرفات»، «بوح السبعين».
أما مؤلفاته الأدبية فيبلغ عددها 13 كتاباً، أصدرها في الفترة ما بين 1982 و2014، وتشتمل على؛ «رسالة إلى امرأة تحترق - نثر فني»، «مهاجر إلى عينيك - نثر فني»، «شيء من الهمس - نثر فني»، «الغرفة 405 - قصص قصيرة»، «أوراق نسائية - قصص قصيرة»، «امرأة الفصول السريعة - نثر فني»، «المعري يعود بصيراً - مسرحية»، «مدينة القبور - نثر فني»، «لطائف الكلام - نصوص»، «وشوَشات الروح - قصص قصيرة»، «نوافذ على شرفة الروح - قصص قصيرة»، «عذابات غزة - مجموعة قصصية»، «عندما تغادر الأشرعة - مجموعة قصصية».
لأحمد عبدالملك - أيضاً - 14 رواية، تتنوع بين القصص الواقعية والخيالية، وتتميز بالعمق والأسلوب الراقي المؤثر والجدة والحداثة، ومنها: «أحضان المنافي»، «القنبلة»، «فازع»، «الأقنعة»، «شو»، «الموتى يرفضون القبور»، «غصن أعوج»، «باها»، «ميهود والجنية»، «دخان»، «انكسار»، «زلزال حنان»، «مليورا.. مذكرات مضيفة طيران»، «أنا الكلمة».
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة عكاظ ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من عكاظ ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
