عرب وعالم / السعودية / عكاظ

البنك الوقفي كأداة تنموية (2-1)

whatsapp

تابع قناة عكاظ على الواتساب

لأكثر من قرون، كان الوقف أحد أكثر الأدوات الاقتصادية فاعلية في تمويل التعليم والصحة والبنية الاجتماعية في الحضارة الإسلامية. غير أن ما خسرناه عبر الزمن ليس الوقف ذاته، بل المؤسسة المالية التي كانت تديره. اليوم، ومع تعقّد الاقتصادات وتحوّل العمل الخيري إلى قطاع منظم، لم يعد الوقف التقليدي قادراً وحده على تعظيم الأثر أو الاستدامة. هنا يظهر مفهوم البنك الوقفي، لا بوصفه كياناً خيرياً، بل كمؤسسة مالية تنموية ذات منطق اقتصادي فاعل.

البنك الوقفي لا يعني «بنك صدقات»، بل هو إطار مصرفي يستثمر أصول الأوقاف وفق حوكمة مالية، ويعيد توجيه العوائد إلى أغراض اجتماعية محددة مسبقاً كالتعليم، والصحة، والإسكان، والبحث العلمي، وتمكين القطاع غير الربحي بشكل عام. الفارق الجوهري أن رأس المال الوقفي لا يُستهلك، بل يُدار ويُنمّى، فيتحول من أصل جامد إلى محرك اقتصادي دائم ومستدام.

الاقتصاد الحديث يفرّق بوضوح بين الإنفاق الجاري والتمويل المستدام. كثير من المبادرات الخيرية تفشل ليس لسوء النية، بل لأنها تعتمد على تدفقات تبرعية متقلبة. البنك الوقفي، في المقابل، يعالج هذه المعضلة عبر فصل مصدر التمويل عن دورة التبرع الموسمي، وربط الأثر الاجتماعي بعوائد استثمارية طويلة الأجل. هذا التحول ليس أخلاقياً فقط، بل محاسبياً واقتصادياً.

من منظور الاقتصاد المؤسسي، يمثّل البنك الوقفي حالة نادرة تجمع بين ثلاثة قطاعات هي: المالي، وغير الربحي، والتنمية الاجتماعية. لكنه يختلف عن البنوك التجارية في غاية ، ويختلف عن الجمعيات الخيرية في أدوات العمل. الربح هنا ليس غاية، بل وسيلة لضمان الاستمرارية. وهذه النقطة تحديداً هي التي يساء فهمها في النقاش العام إذ يُنظر لأي ربح مرتبط بالوقف وكأنه انحراف، بينما هو في الحقيقة شرط بقاء.

التجارب الدولية أثبتت أن إدارة الأصول الوقفية بأسلوب مصرفي محترف ترفع كفاءة استخدام الموارد وتقلل الهدر وتزيد الشفافية. الأوقاف الجامعية الكبرى في العالم، على سبيل المثال، لا تُدار بعقلية «الصرف»، بل بعقلية «المحفظة الاستثمارية»، حيث تُقاس المخاطر والعوائد والأثر.

السؤال الحقيقي إذن ليس: هل نحتاج بنكاً وقفياً، بل: هل يمكن لاقتصاد حديث أن يستمر في إدارة أصول وقفية ضخمة خارج إطار مالي مؤسسي؟ في ظل تصاعد التحديات الاجتماعية، وتنامي الطلب على الخدمات غير الربحية، يصبح البنك الوقفي ليس ترفاً فكرياً، بل استجابة اقتصادية عقلانية لتحويل العمل الخيري من ردّة فعل إلى سياسة تنموية.

ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة عكاظ ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من عكاظ ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.

قد تقرأ أيضا