في رواية "إل جاتوباردو" (الفهد) الشهيرة للكاتب "جوزيبي توماتسي دي لامبيدوزا"، تهمس إحدى الشخصيات بعبارة خلدها التاريخ: "لكي يبقى كل شيء على حاله، لا بد أن يتغير كل شيء".
هذه العبارة البليغة تكاد تكون التوصيف الأدق لحالة الاقتصاد العالمي اليوم. فنحن لا نشهد انهياراً لنظام التعاون الدولي كما يروج المتشائمون، بل نشهد "عملية انسلاخ" كبرى؛ حيث يغير الاقتصاد جلده القديم ليرتدي حلة جديدة قوامها "التحالفات المرنة".
بينما تضطرب أمواج التجارة التقليدية وتتكسر سلاسل الإمداد على صخور الجغرافيا السياسية، تتدفق رؤوس الأموال والبيانات في قنوات جديدة غير مرئية، راسمة خارطة طريق مختلفة للمستثمرين والحكومات على حد سواء.

تحولات التعاون
- يُظهر "بارومتر التعاون العالمي" أن نبض التعاون الدولي لم يتوقف، بل تحول مساره، حيث يعتمد التقييم على خمس ركائز أساسية: التجارة ورأس المال، الابتكار والتكنولوجيا، المناخ ورأس المال الطبيعي، الصحة والرفاه، وأخيراً السلم والأمن.
التجارة ورأس المال
- نمت أحجام تجارة السلع بوتيرة أبطأ قليلاً من الناتج المحلي الإجمالي، إلا أن تدفقات الخدمات ورأس المال استمرت في الارتفاع، لكن تشير أبحاث "ماكينزي" إلى انخفاض التجارة بين الدول المتباعدة جيوسياسياً، لصالح شركاء أقرب سياسياً.
تحول هيكلي
- اكتسبت الدول النامية حصة أكبر من صادرات التصنيع، بزيادة قدرها 5 نقاط مئوية في عام 2024، واستحوذت الصين وحدها على أكثر من نصف هذا النمو الإجمالي، كما تنوعت العلاقات التجارية (انخفض مقياس التركيز التجاري بنسبة 1%)، ما يعني أن التجارة العالمية لا تتقلص، بل تعيد توزيع نفسها داخل شبكات متحالفة.
تدفقات الاستثمار
- شهدت مشاريع الاستثمار الأجنبي المباشر الجديدة طفرة هائلة في صناعات استراتيجية مثل أشباه الموصلات، مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي، وبطاريات السيارات الكهربائية، لكن هبطت حصة الصين من تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى 3% (2022-2025) من 9% (2015-2019)، مع تحول الاستثمارات نحو الاقتصادات المتقدمة.
سباق التكنولوجيا
- بينما واجهت التجارة التقليدية رياحاً جيوسياسية معاكسة، ارتفع المؤشر الفرعي للابتكار والتكنولوجيا العام الماضي بنسبة 3%، مدفوعًا بزيادة تدفقات البيانات وتجارة تكنولوجيا المعلومات، في ظل سباق التسلح بالذكاء الاصطناعي.

العولمة الرقمية
- بينما تنشغل السياسة الدولية بتشييد الجدران ووضع العراقيل أمام حركة البضائع والأفراد، تمدُّ البيانات جسوراً غير مرئية تتجاوز الحدود السيادية؛ حيث كشف التقرير عن طفرة مذهلة في سعة الإنترنت والاتصال الدولي التي قفزت بنسبة 25% خلال عام واحد، لتصبح أربعة أضعاف ما كانت عليه قبل ست سنوات فقط.
حواجز المواهب
- تلوح في الأفق غيوم قاتمة فيما يخص "حركة العقول"، فبعد أن نمت تدفقات الطلاب الدوليين بنسبة 8% في عام 2024، إلا أنها انكمشت في عام 2025، حيث انخفضت تأشيرات الطلاب الجديدة في الولايات المتحدة بنسبة 11% في الربع الأول من العام، مع انخفاضات مماثلة في أستراليا وكندا.
| ملخص أبرز المؤشرات الواردة في التقرير لعامي 2024 و2025 | |||
| المؤشر الاقتصادي / الجيوسياسي | التغير | الاتجاه العام | |
| المسافة الجيوسياسية للتجارة | انخفاض بنسبة 7% (2017-2024) | تكتل نحو الحلفاء |
|
| صادرات الدول النامية والصين (2024) | +276 مليار دولار | صعود الجنوب |
|
| واردات أمريكا من الصين (7 أشهر من 2025) | انخفاض بنسبة 20% | فك ارتباط |
|
| الاستثمار في مراكز البيانات (2025) | 370 مليار دولار (رقم قياسي) | طفرة تكنولوجية |
|
| حصة الصين من الاستثمار الأجنبي (2022-2025) | انخفضت إلى 3% فقط | هروب رؤوس الأموال |
|
| قدرات الطاقة الشمسية والرياح (2024) | تضاعفت لتصل إلى 600 جيجاواط | نمو أخضر |
|
| المساعدات الصحية العالمية (تقديرات 2025) | انخفاض متوقع بـ 11 مليار دولار | خطر صحي |
|
| النازحون قسراً حول العالم | 123 مليون شخص (رقم قياسي) | أزمة إنسانية |
|
مفارقة المناخ
- ارتفع التعاون في التمويل المناخي وتجارة السلع الخضراء، حيث نمت تجارة السلع منخفضة الكربون كأحد محركات التعاون، ما سمح بانتشارها في الاقتصادات الناشئة، لكن الاعتماد المفرط على الصين لا يزال قائماً، حيث تسيطر على ما يصل إلى 80% من تصنيع العديد من التقنيات النظيفة.
هشاشة الصحة
- انخفضت المساعدات الإنمائية للصحة بنسبة 6% لتصل إلى 50 مليار دولار في عام 2024، وتشير التقديرات لعام 2025 إلى انخفاض إضافي بقيمة 11 مليار دولار، مدفوعاً بتقلص التمويل من الوكالات الأمريكية، ما يعزز التحول نحو الاتفاقيات الثنائية بدلاً من المتعددة الأطراف.

بلا سلم وأمان
- تراجعت مؤشرات السلم والأمن إلى ما دون مستويات ما قبل الجائحة، وانخفض عدد قرارات مجلس الأمن الدولي، ما يعني تراجع دور المؤسسات المتعددة الأطراف، وتتجه الدول نحو زيادة الإنفاق الدفاعي، حيث حققت جميع دول الناتو الـ 32 هدف الإنفاق الدفاعي (2% من الناتج المحلي الإجمالي) في عام 2025.
استراتيجية المستقبل
- لم يعد الحوار الدبلوماسي التقليدي كافياً، ما يدعو لتبني عقلية استباقية تتلاءم مع تحول خريطة المشاركة الدولية، عبر ما يمكن تسميته "التعددية المصغرة" (Minilateralism) والتحالفات الإقليمية المرنة التي تركز على المصالح المشتركة المحددة، بدلاً من الاعتماد الكلي على المؤسسات العالمية الكبرى التي تعاني من الجمود.
المصدر: مؤشر التعاون العالمي 2026
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة ارقام ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من ارقام ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
