قبل سنوات قليلة، كان من الصعب تخيل وصول العلامات التجارية الصينية إلى قلب الأسواق الأمريكية.
لكن اليوم، باتت الصين حاضرة بقوة في مانهاتن، حيث يمكن للمتسوقين زيارة متجر أربن ريفيفو Urban Revivo الضخم لشراء أزياء رائجة على تطبيق تيك توك، ثم التوجه لتناول قهوة من لاكِن كوفي Luckin Coffee أو آيس كريم من ميكسويMixue .
ومع كل عام يزداد وجود الشركات الصينية عالميًا، ليس في الدول الفقيرة فحسب، بل أيضًا في الاقتصادات المتقدمة، وفي قطاعات أوسع من ذي قبل.
في 2025، تجاوزت شركة السيارات الكهربائية الصينية "بي واي دي" BYD شركة تسلا الأمريكية من حيث المبيعات، وكان أكثر من خُمس مبيعاتها خارج الصين، مقارنة بعُشر المبيعات في 2024.

نماذج الذكاء الاصطناعي
كما أن نماذج الذكاء الاصطناعي الصينية تُستخدم اليوم في أنحاء العالم، حتى من قبل شركات غربية مثل " إير بي إن بي" Airbnb .
ويُظهر هذا أن موجة التوسع الأخيرة تتميز بسرعة كبيرة واتساع غير مسبوق، إضافة إلى تغيّر جذري في طريقة تفكير الشركات الصينية عند التوسع خارجيًا.
على مدى العقود الماضية، شهدت الشركات الصينية موجات من العولمة. ففي التسعينيات ومع انضمام الصين لمنظمة التجارة العالمية في 2001، بدأت شركات مثل هاير Haier وهواوي Huawei في تصدير منتجاتها. لكنها كانت تواجه تحديًا كبيرًا في التغلب على الصورة السائدة بأن منتجاتها أقل جودة.
ثم ظهرت موجة أخرى في منتصف العقد 2010، عندما استثمرت شركات كبرى مثل آن بانغ Anbang وفو سنFosun وإتش إن إيه غروب HNA Group مليارات الدولارات في البنوك والفنادق الأجنبية.
تشديد الرقابة
بيد أن هذه التجربة لم تدم، بسبب تشديد الحكومات الغربية الرقابة على الاستثمارات الصينية، ثم انهيار بعض هذه الشركات المثقلة بالديون. بينما حققت الشركات المملوكة للدولة نجاحًا أكبر عبر عقود ضخمة ضمن مبادرة “الحزام والطريق” في الجنوب العالمي.
أما الموجة الحالية، فبدأت بعد إعادة فتح الصين بعد جائحة كورونا، ويُعزى جزء منها إلى ضعف النمو المحلي وارتفاع المنافسة السعرية. بين 2019 و2024، انخفض متوسط هامش التشغيل للشركات الصينية المدرجة في البورصة من 12.4% إلى 11.2%.
وفي المقابل، يشير محللو بنك غولدمان ساكس إلى أن العمليات الخارجية غالبًا تحقق هوامش أعلى من تلك التي في الداخل. ومع ذلك، لا يمكن تجاهل أن التوسع الخارجي يعكس فرصة كبيرة؛ فالصين لم تعد تكتفِ بالتقليد، بل أصبحت تنتج منتجات متقدمة مثل الروبوتات الصناعية والمعدات الطبية، وتتفوق في بعض القطاعات على منافسيها العالميين. كما أثبتت شركات مثل بايت دانس ByteDance و شين Shein قدرة الصين على الابتكار في الاقتصاد الرقمي.
أسلوب العمل
ولتحقيق النجاح عالميًا، تضطر الشركات الصينية إلى تغيير أسلوب عملها. فغالبًا ما كانت تحتفظ بعملياتها داخل الصين، وهو ما يجعل إجمالي الاستثمار الأجنبي المباشر الصادر من الصين منخفضًا مقارنة بالولايات المتحدة واليابان.
ففي 2024، بلغ إجمالي الاستثمار الأجنبي الصادر من الصين 17% من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بـ38% للولايات المتحدة و57% لليابان.
كما أن إجمالي الاستثمار الصيني الخارج يمثل 4% فقط من الإجمالي العالمي، أي نحو نصف ما تمثله هولندا. لكن هذا الأمر يتغير الآن.

مصانع في الخارج
تتسارع الشركات الصينية في بناء مصانع في الخارج، خصوصًا في الدول النامية، بدافع ارتفاع تكاليف العمالة داخل الصين وفرض تعريفات جمركية غربية.
كما أن شركات الخدمات السحابية مثل علي بابا Alibaba تبني مراكز بيانات خارج البلاد لخدمة عملائها العالميين، بما في ذلك فروع شركات صينية أخرى.
وعلى صعيد التسويق، بدأ العديد من الشركات في افتتاح متاجر خارجية لتعزيز الوعي بعلاماتها. فشركة ميني سو Miniso تمتلك أكثر من 3300 فرع في الخارج، بينما تخطط شاومي Xiaomi لافتتاح 10 آلاف متجر خارجي خلال السنوات المقبلة.
كما باتت سلاسل التوزيع المحلية أكثر كفاءة، حيث يمكن شراء منتجات مثل أحمر الشفاه من علامة فلوراسيس Florasis في متاجر أمريكية، بينما أصبحت شركة الألبان الصينية مينغ نيو Mengniu أكثر علامة آيس كريم شعبية في إندونيسيا بعد افتتاح مصنع هناك في 2018.
سياسة التوظيف
مع هذا التوسع، تغيرت أيضًا سياسة التوظيف، فقد كانت الشركات الصينية سابقًا تفضّل نقل الموظفين من الصين بدلًا من توظيف المحليين، ما أثار استياءً في بعض الدول المضيفة.
لكن الآن بدأت الشركات توظف المزيد من المحليين في وظائف المبيعات وخدمة العملاء والعلاقات العامة والإدارة، رغم أن المناصب المالية العليا لا تزال غالبًا تُمنح للصينيين.
ويُعزى هذا التحول جزئيًا إلى اكتساب فرق الموارد البشرية الصينية خبرة أكبر في إدارة العاملين الأجانب بعد سنوات من التواجد الدولي.
كما نشأ في السنوات الأخيرة “نظام” من المستشارين والمحامين وشركات المحاسبة التي تدعم الشركات الصينية في عمليات التوسع الخارجي. فقد كانت الشركات الكبرى في هذا المجال تأتي من الغرب، وتركز على مساعدة الشركات الغربية في دخول السوق الصينية، لكن الآن تغيرت المعادلة.

تحديات كبيرة
ومع ذلك، يواجه التوسع الخارجي تحديات كبيرة، خصوصًا في الدول الغربية، حيث يتصاعد التوتر التنظيمي. فقد أدت المخاوف الأمنية إلى إجبار شركة TikTok على بيع أعمالها في الولايات المتحدة، وهو ما دفع شركات صينية أخرى إلى إعادة هيكلة عملياتها لتجنب مشكلات مماثلة.
على سبيل المثال، أنشأت شركة التعليم الصينية سكويرل إيه آي Squirrel AI منصة تقنية مستقلة في الولايات المتحدة منفصلة عن عملياتها في الصين، استعدادًا لإطلاق خدماتها في البلاد.
لكن هذه الهياكل تزيد التكلفة وتعقّد العمليات، ولا يضمن أنها ستُرضي الحكومات الغربية. فقد أمرت إدارة ترامب بإلغاء صفقة استحواذ على شركة أمريكية لأشباه الموصلات، مما يعكس استمرار الضغوط.
الصين ليست متساهلة
كما أن الحكومة الصينية نفسها ليست متساهلة تمامًا. إذ تشكو السلطات من هياكل الشركات المعقدة عبر الحدود، وتراقب حالات تحويل الأرباح للخارج لتجنب الضرائب، وتُصر على أن بعض الشركات لا تُظهر أرباحًا حقيقية في الداخل بينما تزدهر في الخارج.
وتزيد المخاوف عندما تنتقل شركات صينية إلى مقرات في دول مثل سنغافورة، كما حدث مع شركة الذكاء الاصطناعي مانوس Manus التي انتقلت إلى سنغافورة العام الماضي، والتي تواجه تحقيقات حكومية بشأن صفقة محتملة مع شركة ميتا Meta الأمريكية.
لكن رغم ذلك، لا تزال الحكومة الصينية تدعم الشركات غير الحساسة، وبدأت تتفهم أهمية العلامات التجارية العالمية. فوسائل الإعلام الرسمية تحتفي الآن بظاهرة لابوبس “Labubus” من شركة بوب مارت PopMart الصينية، وتعتبرها دليلًا على القوة الثقافية الصينية المتنامية.
وقد تبدأ بكين في تخفيف قيود الموافقات على الاستثمارات الخارجية، التي لا تزال مشددة حتى الآن، وفقًا لمحللين.
وفي النهاية، يبدو أن المستهلكين حول العالم سيشهدون المزيد من العلامات التجارية الصينية الجديدة واللافتة في الأعوام القادمة، مع توسع الصين في الاقتصاد العالمي ليس فقط كمنتج للسلع، بل كصانع للعلامات التجارية التي تُنافس في قلب الأسواق الغربية.
المصدر: ذي إيكونوميست
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة ارقام ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من ارقام ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
