تصورت الولايات المتحدة أنها تتحكم في مسار انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية، وأن بكين ستسير وفق قواعد النظام الليبرالي الذي تقوده واشنطن. لكن ما حدث لاحقًا كشف أن الصين لم تكتفِ بالانضمام، بل أعادت كتابة قواعد اللعبة بما يخدم مصالحها.
في ربيع عام 2000، كانت الصين تخوض مفاوضات مكثفة للانضمام إلى منظمة التجارة العالمية (WTO). وفي تلك الفترة، وافق مجلس النواب الأمريكي على منح الصين وضع العلاقات التجارية الطبيعية الدائمة، وهو ما شكّل عمليًا دعمًا سياسيًا أمريكيًا لانضمامها. الرئيس الأمريكي آنذاك بيل كلينتون كان من أبرز المؤيدين لهذه الخطوة، معبّرًا عن آمال اقتصادية واستراتيجية واسعة لمستقبل العلاقة بين البلدين.

تُعد منظمة التجارة العالمية المؤسسة الدولية المعنية بوضع قواعد التجارة العالمية، ويبلغ عدد أعضائها 166 دولة حتى عام 2024. وتعتمد المنظمة مبدأ الإجماع في اتخاذ قراراتها، وتهدف إلى تعزيز التجارة الحرة عبر خفض الحواجز الجمركية وجعل السياسات التجارية أكثر شفافية واستقرارًا. وفي المقابل، يحصل الأعضاء على معاملة تجارية تفضيلية مع باقي الدول الأعضاء.
لماذا أرادت الصين الانضمام؟
سعت الصين إلى الانضمام للمنظمة لما يتيحه ذلك من فرص للوصول إلى أسواق جديدة، وتحسين شروط التبادل التجاري مع شركائها الحاليين، ما يعزز النمو الاقتصادي ويرفع مستويات المعيشة. كما منحها الانضمام مقعدًا رسميًا على طاولة صنع القواعد في عالم يشهد تسارع العولمة.
أما الولايات المتحدة، فكانت لها حسابات أوسع. فقد رأت واشنطن أن إدماج الصين في نظام التجارة العالمي سيُجبرها على تبني اقتصاد السوق والانخراط تدريجيًا في النظام الليبرالي-الديمقراطي، والابتعاد عن نموذجها الشيوعي. غير أن هذه التوقعات لم تتحقق بالشكل الذي رُسم لها.
الآمال الأمريكية
في عام 2000، كانت الصين سادس أكبر اقتصاد في العالم، ويبلغ عدد سكانها نحو مليار نسمة، ما جعلها سوقًا ضخمة وقوة صاعدة لا يمكن تجاهلها. وبعد عقود من الاقتصاد المخطط والعزلة قبل عام 1978، بدأت الصين في الانفتاح التدريجي على الاقتصاد العالمي، وكان الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية خطوة مفصلية لتسريع هذا التحول.
روّج كلينتون وإدارته لانضمام الصين استنادًا إلى عدة اعتبارات:
1- أن الصين ستُجبر على خفض الرسوم الجمركية، وحماية حقوق الملكية الفكرية، وتعديل سياساتها التجارية بما يتوافق مع قواعد المنظمة، في حين لن تضطر الولايات المتحدة لتقديم تنازلات كبيرة.
2- الاعتقاد بأن عضوية الصين في مؤسسة دولية متعددة الأطراف ستقيد سلوك الحزب الشيوعي وتدفع البلاد نحو مزيد من الانفتاح السياسي. هذا الاعتقاد لم يكن جديدًا؛ إذ عبّر عنه الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الأب بقوله إن التجارة الحرة تجلب معها الأفكار ولا يمكن عزلها عند الحدود.
3- أن انضمام الصين سيعزز شرعية منظمة التجارة العالمية نفسها، باعتبارها لم تكن تستطيع الادعاء بالعالمية في ظل غياب أكبر دولة تجارية خارجها آنذاك.

الواقع جاء مختلفًا
في عام 1999، توقّع مسؤول أمريكي سابق أن تقود عضوية منظمة التجارة العالمية الصين إلى الديمقراطية، وأن يبلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي نحو 7 آلاف دولار بحلول عام 2015. صحيح أن الصين حققت هذا الهدف الاقتصادي قبل الموعد بعامين، لكنها لم تقترب سياسيًا من النموذج الديمقراطي الغربي.
اقتصاديًا، كانت النتائج مختلطة بالنسبة للولايات المتحدة. فقد استفاد المستهلك الأمريكي من انخفاض أسعار السلع المستوردة من الصين. كما استفادت الشركات الأمريكية من دخول السوق الصينية الواسعة، حيث شكّلت الصين نحو 15% من مبيعات شركة «آبل» في عام 2017، وارتفعت الصادرات الأمريكية إلى الصين بنسبة 450% منذ عام 2001.
لكن في المقابل، تضررت قطاعات واسعة من العمالة الصناعية. فبين عامي 1999 و2011، فقد الاقتصاد الأمريكي نحو 6 ملايين وظيفة صناعية. وأظهرت دراسات أن المنافسة الصينية كانت مسؤولة عن قرابة مليون وظيفة صناعية مفقودة، و2.4 مليون وظيفة إجمالية، رغم الجدل المستمر حول دور الأتمتة والتقدم التكنولوجي في تلك الخسائر.
المكاسب الصينية الهائلة
بالنسبة للصين، كانت المكاسب الاقتصادية واضحة وضخمة. فقد تراجعت نسبة السكان الذين يعيشون في فقر مدقع من 67% عام 1990 إلى أقل من 1% بحلول 2015.
وأصبح حجم الاقتصاد الصيني أكبر بنحو 11 مرة مقارنة بعام 2001. كما قفز حجم التبادل التجاري بين الصين والولايات المتحدة من أقل من 100 مليار دولار عام 1999 إلى 558 مليار دولار في 2019، وتجاوزت الصين ألمانيا لتصبح أكبر مصدّر في العالم عام 2009.
إخفاق الرهان الأمريكي
على الصعيد السياسي، لم تتحقق التوقعات الأمريكية. فقد عزز النمو الاقتصادي شرعية الحزب الشيوعي الصيني بدل إضعافه. ويرى الرئيس الصيني شي جين بينغ أن الحزب هو الضامن للاستقرار الاقتصادي والطموحات التكنولوجية العالمية للصين.
وشمل هذا التوجه تشديد الرقابة على الإنترنت، الذي كان يُنظر إليه كأداة محتملة للإصلاح. فالصين تفرض قيودًا صارمة على المحتوى الرقمي، وتلاحق المنتقدين، وتستخدم التكنولوجيا لتتبع المعارضين، ما يعكس توظيفًا للأدوات الحديثة في تعزيز السيطرة السياسية.

منظمة التجارة لم تكن مهيأة للصين
تعود جذور منظمة التجارة العالمية إلى نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية، الذي صُمم لتعزيز السلام عبر الترابط الاقتصادي بين دول تتبنى قيمًا متقاربة.
بيد أن قواعد المنظمة لم تُصمم لاستيعاب نموذج اقتصادي-سياسي هجين كالصين، حيث تهيمن الدولة على قطاعات استراتيجية، وتمارس نفوذًا واسعًا حتى داخل الشركات الخاصة.
وبدلا من أن تتكيف الصين مع النظام، تعلمت كيف تستخدمه لمصلحتها. فمنذ 2001، رفعت الولايات المتحدة 23 قضية تجارية ضد الصين داخل المنظمة، معظمها يتعلق بالدعم الحكومي غير المشروع، والتمييز ضد السلع الأجنبية، والسيطرة على سلاسل التوريد.
التكنولوجيا والدعم الحكومي
من أبرز الاتهامات الموجهة للصين فرض نقل التكنولوجيا على الشركات الأجنبية، غالبًا عبر شراكات إجبارية مع شركات محلية. ورغم أن هذه الممارسات لا تنتهك دائمًا نصوص قواعد المنظمة، فإنها تُعد خرقًا لروحها.
كما استفادت الصين من غياب قواعد واضحة في بعض الملفات، مثل التلاعب بالعملة، حيث يُقدّر أنها خفضت قيمة عملتها بنحو 30% لسنوات، ما عزز تنافسية صادراتها دون وجود آلية فعالة داخل المنظمة لمحاسبتها.
هل تغيّرت الصين؟
الإجابة المختصرة: لا. فرغم التزامها بتنفيذ أحكام منظمة التجارة العالمية عند صدورها، تواصل الصين توسيع سياسات الدعم الحكومي، لأنها ببساطة لا ترى مصلحة في تغيير نموذج حقق لها هذا القدر من المكاسب.
اليوم، تمتلك الصين اقتصادًا يفوق حجمه ما كان عليه بنحو مئة مرة عام 1978، وطبقة وسطى متنامية، ونفوذًا دوليًا متصاعدًا. وقد نجحت في الاندماج في الاقتصاد العالمي دون أن تتبنى النظام السياسي الغربي.
حتى لو كانت الصين أقل نفوذًا، فإن قدرة منظمة التجارة العالمية على تقييدها تبقى محدودة، في ظل قواعد لم تُحدّث منذ أكثر من ربع قرن. لقد أتقنت الصين التعامل مع هذا النظام، وجعلته يعمل لصالحها، لا العكس.
المصدر: "مجلس العلاقات الخارجية" الأمريكية
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة ارقام ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من ارقام ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
