«الصِّبا والجمالُ مِلكُ يَديك ِ
أيُّ تاجٍ أعزُّ من تاجَيكِ!
نصبَ الحُب عرشَه فسألنا
من تُراها له فدلَّ عليكِ
فاسكُبي روحَكِ الحنونَ عليه
كانسِكاب السماء في عينيكِ
ما تغنّى الهزارُ إلا ليُلقي
زفراتِ الغرامِ في أذنيكِ
سَكِرَ الروضُ سكرةً صرعتهُ
عند مجرى العبيرِ من نهديكِ
قتلَ الوردُ نفسَه حسداً منكِ
وألقى دماه في وجنتيكِ
والفراشاتُ ملَّتِ الزهرَ لمّا
حدّثتها الأنسامُ عن شفتيكِ
رفعوا منكِ للجمالِ مثالاً
وانحنوا خُّشعاً على قدميكِ»
دَفقةُ الشعر التي يسكبها بشارة الخوري تُشبه انبعاثاً جماليّاً يتجاوز المديح إلى نوعٍ من الطقوس السرّية للأنوثة، أنوثةٌ تُعامل لا ككائنٍ يُوصَف، بل ككونٍ يُكتشَف.
بشارة يرفع المرأة إلى مقامٍ يتعانق فيه الأسطوري مع الحسيّ، ويتشابك فيه العطرُ مع الفتنة، والدهشةُ مع الوله.
تنبض القصيدة بطاقةٍ غريزيةٍ صافية، كأن الشاعر يعيد تشكيل صورة الحُسن على ضوء رؤيته الخاصة، حيث الجمال ليس زينةً تُرى، بل قوةٌ مطلقة تخلق محيطها وتغيّر ملامح الطبيعة من حولها.
القصيدة لا تصف امرأةً فحسب، بل تخلقها..
«الصبا والجمال ملك يديكِ»، كلمات تعلن امتلاكاً لا يصدر عن نزعة تملك، بل عن دهشة المتلقي أمام كائنٍ يسيطر على مفاتيح العمر وجذوة الحُسن في آنٍ واحد.
الشاعر لا يبدأ بالإعجاب، بل يبدأ بالتسليم. ينتقل من موقع الشاعر إلى موقع المريد.
وتستمر الأبيات في هندسة عرشٍ الحبّ؛ الحب ليس حدثاً يأتي من الخارج، بل يقوم ويجلس ويتوّج صاحبة القصيدة.
السؤال البلاغي «من تراها له فدلّ عليك» يضع الأنوثة في مركز الإجابة الكونية، كأن الوجود في حالة بحثٍ عن الجمال، وكلما بحث وصل إليها.
ثم تتصاعد الموسيقى الداخلية للنص «فاسكبي روحك الحنون عليه» تعبير يجعل من الحب كائناً يحتاج رعايتها كي يكتمل.
هنا يعلو صوت الشاعر على حدود الغزل التقليدي؛ لأن المحبوبة لا تُحَبّ فحسب، بل تُعطي للحب نفسه معناه، فهي مصدر العاطفة.
وتتحرّك الطبيعة كلها داخل النص كأنها تلميذة في محرابها، الهزار يتغنى ليبوح لها، الروض يسكر من أثر نهديها، الورد ينتحر غيرةً من لونها، الفراشات تهجر الزهر لأن أنساماً أسرّت إليها بسرّ شفتيها.
هذه الحركة الكونية العجيبة ليست زخرفاً، بل ديناميكياً بنائيّاً يقصده الأخطل الصغير، فهو يستحضر الطبيعة لا باعتبارها خلفية مجازية، بل بصفتها مرايا لعاطفة تتجاوز قدرة اللغة على التعبير المباشر.
كل عنصرٍ طبيعي هنا لا يقوم بوظيفته المعتادة، العطر يسكر، الورد يغار، الفراشات تملّ، النسيم يتكلّم، الطبيعة كلّها تتشقق كي تتسع لصورة واحدة «تفخيم الأنوثة» بطريقة تتجاوز الحدود المألوفة للغزل لتتحوّل إلى إنشادٍ يتخذ الطابع الطقوسي.
انحناء الجمال عند قدميها ليس مجازاً للتقديس، بل إعلان أنّ الجمال نفسه وجد مثالَه فيها.
هذه اللغة ليست لغة وصف، بل لغة مسّ؛ لغة تلامس الجسد، لكنها لا تهبط به إلى الابتذال.. العطر، النهد، الشفتان، كلها عناصر تتحرّك في سياق جمالي يشبه نحتاً يضيء ولا يُعرّي.
القصيدة مزيج نادر من الرقة والفتنة، من الهيام والسموّ، من الشهوة الشفيفة والإجلال العميق.
تتجلى براعة بشارة الخوري في تحويل الأنثى إلى كائنٍ شعري قادر على تحريك الطبيعة وتغيير قوامها، مع إبقاء كل شيء مغلّف ببهاء صوفي لا يخلو من حرارة التراب.
كلمات ليست مديحاً لامرأة، بل مديح للجمال نفسه؛ الذي يستعير وجهها كي يبوح بنفسه، والشاعر الذي يستعير لغته كي يلامس الضوء دون أن يحترق.
إنه نصّ يرفع الأنثى إلى مقامٍ لم يكتبه شاعرٌ إلا وهو تحت وطأة سحرٍ غير معلن، سحرٌ يخلق من بيتٍ واحدٍ تاجاً، ومن امرأةٍ واحدةٍ كوكباً، ومن قصيدةٍ قصيرةٍ سماءً لا تتوقف عن الإشعاع.
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة عكاظ ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من عكاظ ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
