في ضوء النجاح المستحق الذي حققته Clair Obscur مؤخراً، وجدت نفسي أعود لأتأمل كل الأسباب التي دفعتني لاختيارها كأبرز محطّة شخصية في عامٍ حافل بالألعاب المذهلة. وبصفتي شخصاً يعرف جيداً دورة الحزن، كان ألم عائلة ديسندري بمثابة مرآة لألمي، وقد تجسّد أمامي عبر أسلوب اللعبة السينمائي البديع في سرد الحكاية.
لكن حين جاء وقت الاختيار بين مايل وفيرسو، لم أستطع أن أحسم القرار بسهولة، فكل ما مرّ به الرسّامان مع بقية أفراد الحملة كان لا يزال طازجاً في ذاكرتي. اخترت مايل أولاً، مدفوعاً بصدق أداء جينيفر إنجليش وعفويتها المليئة بالهشاشة الإنسانية. لكن ما رأيته دفعني فوراً للعودة إلى تجربة New Game Plus، حيث اخترت هذه المرة فيرسو، منجذباً إلى مناشدته المؤثرة ورغبته العميقة في التحرر الذي طالما تاق إليه.
وبعد أن منحت نفسي وقتاً لمعالجة المشاعر التي رافقت تلك النهايات الملحمية، أجد أنني لو أُتيح لي أن أعيد التجربة (وهو أمر وارد جداً بفضل تحديث Thank You وفترة الإجازة)، فإن صوتي سيذهب إلى فيرسو، رغم إدراكي لقيمة قرار مايل في إبقاء عالمها حيّاً. وأنا أعلم تماماً أن كثيرين منكم قد يرون الأمر بشكل مختلف.
اسمحوا لي إذاً أن أحاول إقناعكم. لكن إن لم تتح لكم فرصة خوض هذه المغامرة بأنفسكم بعد، فاعلموا أن هناك حرقاً كبيراً للأحداث في السطور القادمة، وربما يجدر بكم العودة إليها لاحقاً بعد أن تخوضوا التجربة مرة واحدة على الأقل. صدّقوني، الأمر يستحق. فلنبدأ!

أب العام
نبدأ مع رونوار، الرجل الذي بلغ حدود صبره وهو يحاول إنقاذ زوجته وابنته من دوامة الحزن على فقدان فيرسو في العالم الحقيقي، بينما يحاول هو نفسه التعايش مع تلك الخسارة الفادحة. بصفته القيّم، فإن دافعه لإنهاء عالم الرسّامة ينبع من رغبته في مساعدة زوجته وابنته على مواجهة فقدان فيرسو، وهو أمر لا يمكن تحقيقه إلا إذا أُزيل عالمه المرسوم على القماش من الوجود.
رغبة رونوار في محو لوحة فيرسو لا تأتي من نية لطمس ذكراه، بل من حاجة إلى إغلاق جرح مفتوح لعائلة ما زالت على قيد الحياة لكنها عالقة في حالة إنكار مؤلمة تمنعها من معالجة حزنها بشكل صحي. إنه زوج وأب يتمزق وهو يرى أفراد عائلته يذبلون أمام عينيه. مواجهته المستمرة مع الرسّامة تكشف عن عزيمته على إنقاذهم من حافة الانهيار، والرحمة التي يُظهرها تجاه مايل – رغم وقوفه ضدها مباشرة – دليل على عمق إنسانيته.
بالنسبة إلى رونوار، أصبحت مايل الآن أليسيا؛ استُعيدت ذاكرتها وجسدها، لتعود أختاً كاملة، تلك التي ضحّى فيرسو بحياته لينقذها في العالم الحقيقي. ها هي اليوم مكتملة، وربما قادرة على أن تعيش الحياة التي أراد شقيقها أن يمنحها لها. ومع ذلك، يعترف رونوار بقدرتها على الاختيار، متوسلاً إليها أن تعود إليه وألا تذبل في العالم الذي نسجته لنفسها، مهما بدا حقيقياً لها بعد هزيمته. لقد مهّد المسرح ببراعة لكلا نهايتي اللعبة.
لكن في رحلتي فيرسو ومايل، نرى كيف أن ساندفول كان يلمّح منذ البداية إلى النهاية الملحمية التي ستأتي لاحقاً. ولنبدأ مع فيرسو.

هل الخلود قد يكون مصدراً للبؤس؟
فيرسو سئم خلوده داخل اللوحة التي ابتكرها. وقد أوضح ذلك منذ اللحظة التي انضم فيها إلى الحملة. كان يتوق إلى النهاية، لكن النسخة المرسومة من والده – التي أبدعتها ألين لحمايتها – وقفت في طريقه. وهناك أيضاً شظايا من روحه نصادفها باستمرار ونحن نجوب القارة، تمنحنا لمحات عن تاريخ الرسّام المعقد، الذي لا يكتمل فهمه إلا حين نرى الصورة كاملة.
وأنا أتفق مع فيرسو. فالحياة مع الحزن إنهاكٌ لا يُطاق، ومعرفة أنه سيظل يواجه فقدان كل من أحبهم وعاش معهم في عالمه المرسوم لا بد أن تثقل كاهل حتى أشجع المحاربين. لقد كان ناجياً رغماً عنه، محصناً ضد الموت بفضل أم لم تستطع أن تتركه يرحل.
ومع ذلك، كان إنساناً حساساً عطوفاً، ارتبط حقاً بأفراد الحملة وقاتل إلى جانبهم، متعلماً عن حياتهم وبانياً روابط حقيقية بقدر ما يمكن أن تكون في عالم قائم على الوهم. تلك الروابط هي ما جعلت قراره بإنهاء كل شيء أكثر وقعاً.
كما أراه، فقد اختار أن يضحّي بكل ما يعتز به في عالمه ليمنح الأم والأخت اللتين لم يعرفهما حقاً فرصة أن تعيشا حياة ليست وهماً. ورغم أن تجربته كانت حقيقية بالنسبة له، إلا أنه قرر أن يضعها جميعاً على مذبح العائلة، مكرراً التضحية التي قدّمها فيرسو الحقيقي من أجل أخته.
قد لا توافقه مايل، وربما كنت سأقف إلى جانبها لولا أنني أدرك أن الحزن واجب نحمله تجاه من رحلوا. فيرسو فهم هذا الشعور، بعد أن شهد رحيل الكثيرين عبر حياته. كان خياره مستحيلاً، لكنه سمح لروحه أخيراً أن ترتاح، بينما استطاعت “عائلته” أن تتصالح مع فقدانه.
كان فيرسو يعلم أنه – وكل ما عاشه – لم يكن حقيقياً. لكن الحزن الذي شعرت به تجاه عائلة ديسندري كان حقيقياً تماماً. وربما لهذا السبب كنت فضولياً لأرى ما الذي يمكن أن تضيفه النهاية التي تقف فيها إلى جانب مايل.

حياة لم تُعش بعد
ربما كانت رحلة مايل مأساوية بقدر مأساوية رحلة فيرسو. فقد قضت حياتها وهي تشعر بالعزلة والاختلاف، إلى أن منحها غوستاف وصوفي الحب والحنان اللذين ربما كانت ستنالهما أليسيا في خط زمني آخر، حيث لم تُحمَّل مسؤولية موت فيرسو. وحين استعادت ذاكرتها، أصبح كل ما تفعله موجهاً نحو الحفاظ على حياة من قاتلت بشراسة من أجل إنقاذهم.
قرارها بالحفاظ على اللوحة (Canvas) والمخاطرة بالذبول داخل حدودها يبدو منطقياً. بالنسبة لها، كان عالم فيرسو أهم من العالم الحقيقي. وبالنظر إلى نضجها في كثير من الحوارات مع أفراد الحملة، يكاد يكون خياراً أحترمه… يكاد.
لكن، رغم أن مايل (أو أليسيا) أظهرت حكمة تفوق عمرها، وتجاوزت أحداثاً كان من الممكن أن تسحق أي مراهق آخر، فإن الحقيقة تبقى أنها ما زالت مراهقة. قرارها بالإبقاء على اللوحة حية، والواقع القاتم الذي فرضته عليها، يعكس تلك اللامرونة، وعدم استعدادها للنمو لتصبح المرأة التي أراد شقيقها ووالدها أن تراها يوماً.
يتضح ذلك في التوتر الذي يلمع في عينيها، وفي ملامح فيرسو الكئيبة وهو يقترب من البيانو الذي كان يعزف عليه يوماً بحب. حياته لم تكن خياره، بل خيار مايل، وبالتالي فهو قرار أناني. لكنه ليس مفاجئاً تماماً. فمن يتتبع رحلة مايل حتى نهايتها، سيجد أن قرارها بطرد أليسيا من اللوحة قبل أن يتمكن فيرسو من وداع الأخت التي ظن أنها له، يكشف الكثير.
ذلك القرار يُظهر نوعاً من الغرور، وإيماناً شبه مطلق بأن قواها الجديدة تمنحها الحق في اتخاذ قرارات منفردة مهما كانت العواقب. قد يكون حب فيرسو لها سمح له بتقبّل ذلك، لكنه لم يترك لديّ شعوراً بالارتياح. ومع ذلك، كان لها الحق في اتخاذ ذلك القرار، وربما حتى ما يبرره.
لقد خسرت بقدر ما خسر فيرسو، لكن صغر سنها ربما منعها من إدراك أن الحزن الحقيقي والتعافي منه يبدأان بالتخلي عن التعلّق بالشخص الراحل، مع الاستمرار في حفظ ذكراه كجزء من الحياة التي نعيشها في غيابه. لقد اختارت حياة خالية من الألم، حتى لو كان ذلك يعني التخلي عن حياة ربما منحتها الإغلاق الذي كانت تحتاجه. كما أن قرارها أبقى فيرسو المرسوم مربوطاً باللوحة، مستمراً في عذاب بقايا روحه، مضطراً للرسم بلا نهاية، عالقاً بين اللوحة والعالم الحقيقي.
ورغم أن قرارها مبرَّر من منظور تطوّر شخصيتها، فإنه يظل قراراً اتخذته فتاة ربما كانت ستفكر بشكل مختلف لو أُتيح لها أن تعيش حياة كاملة مثل حياة فيرسو.

ما الذي يخبئه المستقبل للرسّامين؟
إعادة النظر في النهايات المذهلة لمشروع Sandfall جعلني أتساءل عمّا قد يقرره الاستوديو إذا اختار أن يعيدنا إلى لوميار والقارة. قد تكون Expedition Zero نقطة انطلاق مثيرة، تسمح لنا برؤية البدايات الأولى لصراع لوميار ضد الرسّامة، والطريقة التي طُوّرت بها التكنولوجيا التي حمتها. وبالتأكيد لن أرفض مغامرة مع Expedition 60 أيضاً!
لكنني أعتقد أن مغادرة اللوحة (Canvas) تماماً سيكون فكرة رائعة، إذ ينقلنا إلى الصراع الأكبر بين الرسّامين والكتّاب. قد يكون ذلك وسيلة مثالية لكشف الأحداث التي أدت إلى هجوم الكتّاب على فيرسو وأليسيا، وربما يمنح كليا دوراً أكثر فاعلية في قصة جديدة تُبرز صلابتها وكفاءتها القاسية.
ومهما كان قرار ساندفول، لا يسعني إلا أن آمل أن يحافظ الاستوديو على مستوى الجودة الذي قدّمه هنا، وأن يمنحنا قصة أخرى تُظهر جمال الفن، وكيف يمكن أن يساعد الإنسان على معالجة أعمق مشاعره الحزينة… أو يتحول إلى سجن لا مهرب منه في رحلة الحزن.
كاتب
أعشق ألعاب الفيديو منذ أيام جهاز العائلة، و أفضل ألعاب المغامرات أمثال Tomb Raider و Assassins Creed (قبل التحول للـRPG)، ليس لدي تحيز لأي جهاز منزلي بالنسبة لي الأفضل هو الذي يقدم الألعاب الأكثر تميزاً. ما يهمني هو التجارب ذات السرد القصصي المشوق فالقصة هي أساس المتعة أكثر من الجيمبلاي.
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة سعودي جيمر ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من سعودي جيمر ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
