تابع قناة عكاظ على الواتساب
في ستينيات القرن الماضي، لم يكن صدور كتابٍ شعري حدثاً عادياً في المشهد الثقافي السعودي، لكن ما جرى مع ديوان «الأوزان الباكية» للشاعرة ثريا قابل كان أشبه بارتجاجٍ هادئ في جدارٍ اجتماعي طويل الصمت؛ إذ حمل الديوان اسم امرأةٍ صريحاً على غلافه، في زمنٍ كانت تغلب فيه القيود الاجتماعية المتوجسة والخصوصية الصرفة عن المجاهرة بالإبداع، زمن اعتادت فيه الكاتبات والشاعرات الاختباء خلف الأسماء المستعارة، فبدا كأن القصيدة خرجت من الظل إلى الضوء دفعةً واحدة.
وقد صدر الديوان في بيروت 1963م، ليصبح أول مجموعة شعرية فصيحة تُنشر باسم امرأة سعودية، فاتحاً باباً جديداً لحضور المرأة في الأدب المحلي.
هذا الحدث كانت الراحلة ثريا قابل تحدثني عنه بزهوٍ شديد وهي قد ناهزت السبعينات من عمرها آنذاك في حوار أجريته معها قبل سنوات، كانت تحتفظ بالتفاصيل الدقيقة وبالشجاعة التي كانت عليها رغم عمرها الشاب وقتذاك، وحساسية ظهورها فيه، فبمجرد الطريق لم يكن مفروشاً بالتصفيق. فبمجرد ظهور الديوان، اندلع حوله جدلٌ واسع، لا بسبب نصوصه وحدها، بل لأن المجتمع حينها وجد نفسه أمام سؤالٍ أكبر: هل يحق للصوت النسائي أن يقف علناً في ساحة الشعر؟ وقد واجه العمل انتقاداتٍ عند صدوره، في مقابل دفاعٍ قوي من الأديب الرائد محمد حسن عواد الذي رأى في التجربة خطوةً جريئة تستحق الاحتفاء، لكنه وكما تقول -رحمها الله- قد زاد في الإشادة بموهبتها، حتى قارب بينها وبين كبار الشعراء، وذهب إلى حد تشبيهها بخنساء القرن العشرين، وهو وصفٌ ظل ملازماً لاسمها في الذاكرة الثقافية حتى بعد رحيلها.
وفي المقابل، رأى بعض المحافظين أن هذا الاحتفاء المفرط يجاوز القيمة الفنية للنصوص، وأن ظهور امرأةٍ باسمها الصريح في كتاب شعري يمثل تحوّلاً اجتماعياً حساساً، فتحوّل النقاش من نقد القصيدة إلى مناقشة جدلية حول الحضور النسائي ذاته في المجال العام، قالت عنها بصراحة في حديثها لي إنها كانت سعيدة باستمرار هذا الجدل لثمانية أشهر، حيث أضفى على الديوان زخماً كبيراً وتوثيقاً خاصاً لأولوية سجلتها باسمها حتى اليوم، فكان هذا الجدل جزءاً من ولادته التاريخية؛ إذ تحوّل من مجرد كتاب شعري إلى علامةٍ فاصلة في مسار الكتابة النسائية السعودية، ودليلٍ مبكر على تحوّلٍ ثقافي أوسع كان يتشكل ببطء داخل المجتمع. فقد كسرت ثريا قابل حاجزه بالنشر باسمها الحقيقي، ومهّدت الطريق لأصواتٍ نسائية لاحقة في الأدب والصحافة، حتى غدت كلماتها جزءاً من الذاكرة الفنية والشعرية لجيلٍ كامل.
في فلسفتها الخاصة، لم تكن الكتابة فعلاً يمكن استدعاؤه متى شاءت، بل طقساً لا يحدث إلا في لحظة صفاء نادرة ومزاج، لحظة ترتفع فيها الروح فوق ضجيج الروتين اليومي وصخب «الجوالات» ومقاطعة لحظات كما وصفت لي.
لذلك بدت قليلة الإنتاج قياساً بموهبتها الكبيرة حتى أنها أسرّت لي حينها بتكليفها بكتابة أوبريت غنائي كبير لكنها اعتذرت بلباقة لأنها مزاجها الخاص يتطلب مساحة وقت ممتدة ولحظات غير متوقعة، إذ آمنت أن النص الحقيقي لا يُكتب إلا عندما يكتمل شعوره في الداخل ومن تلقاء النفس وبلا مقدمات.
هذا المزاج الشعري انعكس بوضوح في علاقتها الإنسانية والفنية مع صوتين شكّلا جزءاً من ذاكرتها العاطفية: طلال مداح وفوزي محسون؛ فمع طلال مداح لم تكن العلاقة مجرد تعاون بين شاعر ومطرب، بل مساحة فنية مشتركة تتقاطع فيها رؤيتهما الفنية والإحساس العالي باللحن والكلمة. كان طلال يقرأ النص ويعيشه، وكانت هي ترى في صوته امتداداً شفيفاً لقلقها الجميل، أما فوزي محسون فمثّل جانباً آخر منها؛ جانب الفهم الدقيق لفنها العميق، فلم تكن ثريا تبحث عن الانتشار الفني بقدر ما كانت تبحث عن الكفاءة التي تنقل إحساسها، ولهذا اختارت شركاءها بعاطفةٍ واعية، لا بحسابات السوق.
هكذا يمكن قراءة حياة ثريا قابل، مزاجية تحمي الجمال من التسطيح، وانتقائية صنعت حضوراً أبقى، عاشت كما تكتب على إيقاع شعورٍ لا يقبل أنصاف اللحظات، وسيبقى اسمها مرتبطاً بتلك المنطقة النادرة والرفيعة من الفن.
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة عكاظ ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من عكاظ ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
