ليست كل وقائع التلاعب المالي تبدأ بدفاتر حسابات مزورة أو أرباح وهمية، فأحيانًا يكون الخداع أكثر هدوءًا وتعقيدًا، وهذا ما حدث مع شركة "سيبو ريلوايز" اليابانية، إحدى أشهر شركات تشغيل السكك الحديدية في منطقة طوكيو.
ظلت "سيبو" لعقود تقدم صورة مضللة عن هيكل ملكيتها، حتى انكشفت الحقيقة في عام 2004، لتتحول إلى واحدة من أبرز قضايا التضليل المرتبطة بالإفصاح عن الملكية في تاريخ سوق المال اليابانية.

خداع استمر لعقود
عندما كشفت التحقيقات في أكتوبر 2004 حقيقة ما جرى، لم يكن الاتهام متعلقًا بالتلاعب بالأرباح أو إخفاء للخسائر، بل بهندسة متعمدة لهيكل الملكية.
فعلى مدار أكثر من أربعة عقود، أخفت شركة "كوكودو"، المالكة لـ "سيبو"، الحجم الحقيقي لسيطرتها على الشركة، ففي حين كانت التقارير السنوية والنصف سنوية تشير إلى أن كبار المساهمين يمتلكون 63.7% فقط من الأسهم، كانت النسبة الحقيقية تبلغ 88.6%.
وفي الوقت نفسه، كانت قواعد بورصة طوكيو تمنع إدراج أي شركة تتجاوز فيها ملكية أكبر عشرة مساهمين 80% من الأسهم، وهو ما يعني أن "سيبو" لم تكن تستوفي شروط الإدراج على مدار عقود.
ولإضفاء المصداقية على هذه الصورة، ظهرت أسماء مئات المستثمرين الأفراد في سجلات الملكية، قبل أن يتبين لاحقًا أن نحو 400 منهم لم يكونوا سوى واجهة لأسهم تسيطر عليها شركات تابعة للمجموعة، بما أوحى بوجود قاعدة مساهمين أوسع مما كانت عليه في الواقع.

محاولة أخيرة لإنقاذ الإدراج
مع اقتراب انكشاف الحقيقة، حاولت المجموعة تجنب الشطب من البورصة، إذ تواصلت "كوكودو" سرًا مع عدد من الشركات التي تربطها بها علاقات تجارية طويلة، وشجعتها على شراء أسهم "سيبو" بهدف خفض نسبة الملكية الظاهرة للمجموعة والالتزام شكليًا بقواعد الإدراج.
كما باعت جزءًا من حصتها قبل الإعلان عن المخالفات، دون أن تفصح للمشترين عن المعلومات التي قد تؤثر في قيمة استثماراتهم، وهو ما دفع عددًا من المستثمرين لاحقًا للمطالبة بتعويضات بعد انهيار السهم.
ومع انكشاف الفجوة بين الملكية المعلنة والحقيقية، لم تجد بورصة طوكيو خيارًا سوى شطب أسهم "سيبو" في عام 2004، لتصبح أول شركة تُستبعد من السوق اليابانية منذ عام 1980 بسبب تقديم معلومات مضللة في إفصاحاتها.
ووصف رئيس بورصة طوكيو آنذاك القرار بأنه ضرورة لحماية ثقة المستثمرين، مؤكدًا أن شركة يتجاوز عمرها 90 عامًا خانت الثقة التي منحها لها السوق.

الشخصية الأبرز
في قلب القضية برز رجل الأعمال "يوشياكي تسوتسومي"، الذي ورث "سيبو" عن والده، وحولها إلى مجموعة ضخمة تضم سككًا حديدية وفنادق وعقارات ومنتجعات.
بلغ نفوذ "تسوتسومي" ذروته عندما صنفته مجلة "فوربس" أغنى رجل في العالم لأربع سنوات متتالية بين 1987 و1990، قبل أن يؤدي انهيار سوق العقارات الياباني إلى تقليص ثروته بصورة كبيرة.
لكن فضيحة "سيبو" كانت الضربة الأقسى، إذ أجبر على الاستقالة، ثم أُدين لاحقًا بتهم تتعلق بتزوير سجلات الشركة والتلاعب بالإفصاحات والتداول بناءً على معلومات داخلية، بعدما أقر بتضليل المستثمرين والجهات الرقابية، وقدم اعتذارًا علنيًا للمساهمين أمام المحكمة.

ولم يكن تضليل المساهمين هو الخلل الوحيد، إذ كشفت التحقيقات عن أزمة حوكمة أعمق بعدما اعترفت الشركة بأن مجلس إدارتها لم يعقد أي اجتماع طوال سبع سنوات، في مخالفة واضحة للقانون الياباني.
لم تتوقف آثار الفضيحة عند شطب "سيبو" أو سقوط رئيسها، بل امتدت إلى سوق المال اليابانية بأكملها، فبعد اكتشاف القضية، شددت بورصة طوكيو قواعد الإفصاح والحوكمة، بينما طالبت وكالة الخدمات المالية آلاف الشركات المدرجة بمراجعة بياناتها المالية، واضطر عدد كبير منها إلى تصحيح إفصاحاته.
ورغم أن "سيبو" نجحت لاحقًا في إعادة هيكلة أعمالها، إلا أن القضية بقيت علامة فارقة في تاريخ سوق المال اليابانية، وأحد أبرز الأمثلة على أن الإفصاح المضلل قد يكون أخطر من التلاعب بالأرباح.
المصادر: صحيفة "فاينانشال تايمز" – "نيويورك تايمز" – فوربس – صحيفة "وول ستريت جورنال
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة ارقام ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من ارقام ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
