منوعات / صحيفة الخليج

خيمة مطر.. حنين يأبى الرحيل

خليفة بن حامد الطنيجي

في مجتمع البادية قصص وحكايات لأشخاص قلما تجدهم بهذا الثراء من الطيبة، ولم تنغص يومياتهم الحداثة ولم يعرف «الجوال» طريقه إليهم. حتى التلفاز لم يقتنوه وبقوا صامدين حتى آخر لحظة.
عندما سكن الليل في حي جبل عمر بالذيد أغمض مطر النداس عينيه في آخر ليلة في حياته وفاضت روحه إلى بارئها، رحل مطر بكل هدوء وسكينة، رحيله كان كتوقف .
كان مطر لا يفكر في الغد لأنه يعلم أنه في علم الغيب، وقد قدم له صديقه علي الشمام خيمة كان يتخذها مهجعاً له وأخرى أصغر كان يتخذ منها مطبخاً، وكان على صوت أذان محمد بن يوسف يستيقظ عند يتمسح، وبعد الصلاة ينطلق لإعداد القهوة، ومع كل فنجان يرتشفه يلتقط حبات من الرطب. وبعدها يهم مطر إلى حظيرة الماشية يطلقها إلى المرعى، وبعدها يتحرك نحو البلاد حيث واحة النخيل ومياه الشريعة التي تترقرق بين حنايا مزارع النخيل، حيث اللقاء اليومي مع الرفاق والحديث عن العلوم والأخبار.
كان مطر النداس يلتقي بجمعٍ من الناس، ولا سيما من الحضّار الذين وفدوا إلى الذيد طلباً للهواء العليل، وظلال النخيل، ووفرة المياه المتدفقة من فلج شريعة الذيد. وهناك، كان يخوض معهم ومع أصحاب المزارع أحاديث شتى تحمل أخبار الساحل وأحداثه.


لقد كانت رحلة الحضّار إلى الواحات ملتقى ومدرسةً للتراث، يجتمع فيها الأهالي صيفاً تحت ظلال النخيل في الهواء الطلق، يتلذذون بأصناف الرطب، ويتبادلون الأحاديث الممتعة، ويخاطبون القمر بالنثر والشعر، بينما تمتزج نكهة القهوة العربية مع حبات الرطب اليانعة في مشهد يجمع البساطة والبهجة.
ويبقى المقيظ لأهالي واحات النخيل موسماً ثقافياً واجتماعياً واقتصادياً ضارباً بجذوره في عمق التراث، رحلةً لا تزال عنوانها الذكريات الجميلة من ذلك الزمن الفريد.
وبعد الظهر يحمل مطر «مخرافته» التى حملت الخيرات من الواحة، يعود أدراجه إلى بيته وفي الطريق يعرج على دكان حارب يشتري «جاس» قهوة و«مِنْ» عيش، ليصنع الغداء وغموسه «الجامي».
بعد المغيب يذهب إلى أخيه حميد يجالسه ويتحدث إليه عن علوم الفريج على رأس عرقوب، وفي الغد مع الصباح الباكر يذهب ماشياً كعادته إلى أخيه خميس حيث الفريج عند وادي الغاف يبقى عندهم ويبيت الليلة، وأكثر حضوره الإنصات وقليلاً ما يتحدث. في تلك الجلسات، كان يفد إليهم العابرون في رحلاتهم من الشارقة إلى المناطق الداخلية والساحل الشرقي، فيجلسون للسمر وتبادل الأحاديث، على موائد من رطب الفرض، ذلك الرطب الذي عُرف عندهم بأنه «عمود الأرض»، إن أكلته هنّاك، وإن بعته أغناك.
لم يحمل مطر من الدنيا الكثير، كان دائماً بعيداً عن همومها، وعبارة «بخير والحمد لله» لا تفارقه، وكانت «العوجديه» معه أينما حل يضعها على كتفه، عاش وحيداً ورحل وحيداً.
بعد رحيله تساقطت الخيمة موقع سكناه من كل طرف، وفي كل ركن منها كان له، يرحمه اللّٰه، ذكرى وحكاية كانت شاهداً على حبه لمكان سكنه وتعلقه به رغم الترحال.
كانت خيمة مطر التي سقطت مع المطر وبقيت خاوية على عروشها تحكي الحكاية لعابر طريق أو مستوقف يأخذ لها صورة «إنستغرامية».
وُلد مطر، وكانت نذر الحرب العالمية الثانية تلوح في الأفق، أي أن ميلاده جاء في مطلع ثلاثينات القرن الماضي، وهو مطر سيف النداس، رحمه اللّٰه، وليس له ذرية. له من الأشقاء خميس سيف النداس وله من الأبناء سيف وسعيد وراشد وسالم، أما شقيقه الآخر فهو حميد سيف النداس، رحمه اللّٰه، وله من الأبناء سالم وسيف.
وقد كانت الخيمة حينها مادة ثرية تناقلتها وسائل التواصل الاجتماعي، فخيمة مطر التي بنيت قبل نحو نصف قرن أو يزيد، لم تصمد أمام الرياح العاتية مع المطر، وانهارت، حزناً على رحيله. والمتعارف عليه أن الخيمة لها قيمتها ودورها في الزمن الماضي وهي جزء من تراث المنطقة، كما أن الخيمة شكّلت في نمطاً معمارياً فريداً، عكس ملامح الحياة الأولى بين الساحل والصحراء، لتجسد لوحة تراثية نابضة بحياة الأجداد. وقد يبدو للكثيرين أن هذه البيوت بسيطة البناء وسهلة التشييد، غير أن المتأمل فيها يدرك أنها ثمرة جهدٍ كبير، أبدعه الأجداد بمهارة وفن يعكسان عبقرية التكيف مع آنذاك.

ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة صحيفة الخليج ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من صحيفة الخليج ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.

قد تقرأ أيضا