هیئة الصحة العامة.. وریاح التطویر

صحيفة سبق الإلكترونية 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

هیئة الصحة العامة.. وریاح التطویر

ما زلتُ أذكر جیدًا تصریحًا سابقًا لي عام 2007 في صحیفة الریاض، طالبتُ فیه بإنشاء منظومة وطنیة متكاملة لتعزیز الصحة، بما في ذلك الصحة العامة، تضمن توفیر البیئة الداعمة لتعزیز الصحة، وتشكیل التأیید السیاسي لذلك، ووضعها في صلب أجندة القرارات والسیاسات والاستراتیجیات الوطنیة لدى القطاعات المعنیة، مع بناء سیاسات وبرامج وطنیة مؤسسیة فعّالة.

وتحدثت في أكثر من تصریح ومقال بأنه لا یوجد ما یبرر الاستمرار في إهمال الصحة العامة وتعزیز والإعاقة، واستنزاف الخدمات الصحیة، وإتاحة المجال لوباء الأمراض المزمنة في اغتیال آلاف الأرواح سنویًّا، وإحداث العجز. إلا أنّ الصورة تحسنت في السنوات الأخیرة، وأصبحت أكثر وضوحًا تجاه الصحة العامة وتعزیزها، في ظل ریاح التطویر لدى نحو تعزیز الصحة في المجتمع، التي بدأت بشكل ملموس مع تولي معالي الدكتور توفیق الربیعة وزارة الصحة.

وفي ظل النجاحات المستمرة للمملكة في السیطرة على جائحة یأتینا خبر موافقة مجلس الوزراء على تحویل "المركز الوطني للوقایة من الأمراض ومكافحتها" إلى هیئة عامة بمسمى "هیئة الصحة العامة".

وتأتي هذه الهیئة في ظل مَواطن قوة وفرص مواتیة للعمل وفق منهجیة مؤسسیة مبنیة على البراهین.

فها هي رؤیة 2030 وبرنامج التحول الوطني لوزارة الصحة ینصان بما لا یدع مجالاً للشك على أهمیة الصحة العامة، وتعزیز الصحة في المجتمع، والتركیز على الخدمات الوقائیة، وقبل ذلك نملك قیادة حكیمة، تضع تعزیز الصحة في أولویاتها.

وبوصفنا متخصصین في تعزیز الصحة، نؤمن تمامًا بأن معظم محددات الصحة وتعزیزها في المجتمع تقبع خارج وزارة الصحة والقطاعات الصحیة؛ وبالتالي فعندما نذكر "القطاعات المعنیة" فلا نعني القطاعات الصحیة فقط، وإنما التعلیمیة والاقتصادیة والتجاریة والمالیة والاجتماعیة والإعلامیة والإنمائیة والریاضیة.. وغیرها.

وهنا یأتي أكبر التحدیات التي یمكن أن تواجهها الهیئة الناشئة. وفي اعتقادي إن من أهم الخطوات لتحقیق الشراكة مع تلك القطاعات تبنّي مفهوم بناء التأیید Advocacy Building لقضایا الصحة العامة وتعزیز الصحة؛ وهو ما یُسهم في تحدید وتوزیع الأدوار فیما بینها بشكل تكاملي فعّال.

والمؤسف أن العدید من تلك القطاعات لا تُعطي الصحة العامة حقها من التأیید ولا التعامل معها كقضایا ذات أولویة.

ولا أبالغ إذا قلت إن الهیئة بحاجة لإدارة متكاملة بمسمى إدارة صناعة وتعزیز الصحة وطنیًّا.

التأیید، بل لا أبالغ إذا قلت إن الهیئة بحاجة ماسة لصناعة استراتیجیة شاملة لبناء التأیید للصحة العامة. والهیئة، وهي في بدایة الطریق، بحاجة ماسة لعمل تحلیل كامل وشامل لوضع الصحة العامة في المملكة، یضمن حصر السیاسات والأنظمة واللوائح والبرامج والقوى البشریة كافة المتعلقة بمجال عملها ومواردها، وحصر القطاعات كافة التي تعمل في هذا المجال، ومسؤولیاتهم، وأدوارهم، ومن ثم وضع خارطة طریق واستراتیجیة وطنیة للصحة العامة، تلم شتاتها، وتبیّن أدوار كل قطاع. والبناء على ما تحقق من نجاحات تمت في "المركز الوطني للوقایة من الأمراض ومكافحتها"، وغیرها من القطاعات.

ولعل من أهم ما یمكن عمله بشكل في الهیئة متابعة ما تم في موافقة خادم الحرمین الشریفین على أن تكون الصحة العامة سیاسة وأولویة في جمیع الأنظمة والتشریعات لمكافحة الأمراض والوقایة منها. وهذا وحده مَوطن قوة للهیئة. وهي بحاجة للعمل على إزالة التداخل والازدواجیة ما بین صلاحیاتها وصلاحیات عدد من القطاعات الأخرى، ولعل في مقدمتها الصلاحیات المتعلقة بالصحة العامة، وتعزیز الصحة لدى المجلس الصحي، التي من المفترض نقلها للهیئة، ومن ثم إعطاؤها ثقلها الكافي بعیدًا عن الارتجالیة.

ولعلي أهمس في أذن الهیئة بأن تضع نصب عینیها شركة الصحة القابضة ووحدات الأعمال التابعة لها، وتجمعاتها الصحیة؛ فهنا یقبع جزء كبیر من مستقبل الصحة في المملكة، وأن تضع یدیها بیدي الشركة، وتتساءل معها عن مكونات الصحة العامة، وتعزیز الصحة في خططها؟ وهل فعلاً تأخذ مكانها الحقیقي في تلك الوحدات والتجمعات ومجتمعاتها؟ أم ما زالت الخدمات العلاجیة تنهب مكانة الخدمات الوقائیة؟

أما "تمكین المجتمع" فهو جوهر العمل في تعزیز الصحة. والهیئة بحاجة لمناصرة إنشاء مبادرات وطنیة قائمة على البراهین في ذلك، تصل إلى جذور المجتمع؛ لیصبح شریكًا في اتخاذ القرارات الصحیة، وتنفیذها، وتقییمها، لا مجرد متلقٍ للخدمة.

ماذا عن التوعیة الصحیة الوطنیة وحملاتها؟ هل هي فعالة؟ متى نلم شتاتها وتَفرُّقها؟ متى نحشد لها مزیدًا من الكفاءات المتخصصة التي تقدّم التوعیة بطریقة مؤسسیة مستدامة، تصنع الأثر في المجتمع؟

أما الالتفات لتحسین صحة الناشئة، وتعزیز الصحة في التعلیم بقطاعاته كافة، فالمفترض أن یكون في صلب الأجندة وسياسة الهیئة، مع تطویر سیاسات وأنظمة، تضع التوعیة الصحیة في قلب المناهج التعلیمیة بطرق مبنیة على "البراهین العلمیة"، تصنع الأثر في الجیل القادم، وتركّز على ما نسمیه "المهارات الحیاتیة"، لا مجرد سرد لمعلومات صحیة.. إضافة إلى أن الصحة العامة بحاجة إلى تطویر البنى التحتیة لها، بما في ذلك بناء القدرات، وتأمین دخول مالیة مستدامة، ووضع الأنظمة الداعمة للبحوث الصحیة، وهو ما نأمل أن تحققه هیئتنا الفتیة.

أما دعم وتعزیز إنفاذ التشریعات والأنظمة واللوائح المعنیة بالصحة العامة؛ لتصبح واقعًا ملموسًا، فهو محك رئیس لنجاح الهیئة. وهناك حاجة لبرامج رقابة وعقوبات صارمة، تضرب بید من حدید على المتلاعبین بصحة المجتمع وبائعي المرض.

ولا أبالغ إذا قلت إن كل ما سبق ذكره من تشریعات وأنظمة معززة للصحة في الهیئة قد لا تُحقق أثرًا فعّالاً، ولا تُنجز هدفًا بكفاءة، إذا لم یصاحبه تأهیل قیادیین متعطشین لذلك، متوثبین لتحقیق رؤیة 2030، مسلحین بقدر عالٍ من المهارات القیادیة والتفكیر الاستراتیجي، واتخاذ القرار والتأیید والتمكین، وتبني الأسس العلمیة والمؤسسیة في برامج الصحة العامة وتعزیز الصحة بعیدًا عن الارتجالیة.

ماذا بعد؟!! كل ما یحتاج إلیه الأمر في الهیئة قدر عالٍ من التأیید والشجاعة والطموح والعمل المؤسسي. وكما تقول منظمة الصحة العالمیة، فجدول الأعمال واسع وجريء، والطریق إلى الأمام واضحة كل الوضوح، وهي ملیئة بمَواطن القوة والفرص كما التحدیات!!

عبدالرحمن القحطاني هیئة الصحة العامة

هیئة الصحة العامة.. وریاح التطویر

عبدالرحمن القحطاني سبق -03-04

ما زلتُ أذكر جیدًا تصریحًا سابقًا لي عام 2007 في صحیفة الریاض، طالبتُ فیه بإنشاء منظومة وطنیة متكاملة لتعزیز الصحة، بما في ذلك الصحة العامة، تضمن توفیر البیئة الداعمة لتعزیز الصحة، وتشكیل التأیید السیاسي لذلك، ووضعها في صلب أجندة القرارات والسیاسات والاستراتیجیات الوطنیة لدى القطاعات المعنیة، مع بناء سیاسات وبرامج وطنیة مؤسسیة فعّالة.

وتحدثت في أكثر من تصریح ومقال بأنه لا یوجد ما یبرر الاستمرار في إهمال الصحة العامة وتعزیز والإعاقة، واستنزاف الخدمات الصحیة، وإتاحة المجال لوباء الأمراض المزمنة في اغتیال آلاف الأرواح سنویًّا، وإحداث العجز. إلا أنّ الصورة تحسنت في السنوات الأخیرة، وأصبحت أكثر وضوحًا تجاه الصحة العامة وتعزیزها، في ظل ریاح التطویر لدى وزارة الصحة نحو تعزیز الصحة في المجتمع، التي بدأت بشكل ملموس مع تولي معالي الدكتور توفیق الربیعة وزارة الصحة.

وفي ظل النجاحات المستمرة للمملكة في السیطرة على جائحة كورونا یأتینا خبر موافقة مجلس الوزراء على تحویل "المركز الوطني للوقایة من الأمراض ومكافحتها" إلى هیئة عامة بمسمى "هیئة الصحة العامة".

وتأتي هذه الهیئة في ظل مَواطن قوة وفرص مواتیة للعمل وفق منهجیة مؤسسیة مبنیة على البراهین.

فها هي رؤیة 2030 وبرنامج التحول الوطني لوزارة الصحة ینصان بما لا یدع مجالاً للشك على أهمیة الصحة العامة، وتعزیز الصحة في المجتمع، والتركیز على الخدمات الوقائیة، وقبل ذلك نملك قیادة حكیمة، تضع تعزیز الصحة في أولویاتها.

وبوصفنا متخصصین في تعزیز الصحة، نؤمن تمامًا بأن معظم محددات الصحة وتعزیزها في المجتمع تقبع خارج وزارة الصحة والقطاعات الصحیة؛ وبالتالي فعندما نذكر "القطاعات المعنیة" فلا نعني القطاعات الصحیة فقط، وإنما التعلیمیة والاقتصادیة والتجاریة والمالیة والاجتماعیة والإعلامیة والإنمائیة والریاضیة.. وغیرها.

وهنا یأتي أكبر التحدیات التي یمكن أن تواجهها الهیئة الناشئة. وفي اعتقادي إن من أهم الخطوات لتحقیق الشراكة مع تلك القطاعات تبنّي مفهوم بناء التأیید Advocacy Building لقضایا الصحة العامة وتعزیز الصحة؛ وهو ما یُسهم في تحدید وتوزیع الأدوار فیما بینها بشكل تكاملي فعّال.

والمؤسف أن العدید من تلك القطاعات لا تُعطي الصحة العامة حقها من التأیید ولا التعامل معها كقضایا ذات أولویة.

ولا أبالغ إذا قلت إن الهیئة بحاجة لإدارة متكاملة بمسمى إدارة صناعة وتعزیز الصحة وطنیًّا.

التأیید، بل لا أبالغ إذا قلت إن الهیئة بحاجة ماسة لصناعة استراتیجیة شاملة لبناء التأیید للصحة العامة. والهیئة، وهي في بدایة الطریق، بحاجة ماسة لعمل تحلیل كامل وشامل لوضع الصحة العامة في المملكة، یضمن حصر السیاسات والأنظمة واللوائح والبرامج والقوى البشریة كافة المتعلقة بمجال عملها ومواردها، وحصر القطاعات كافة التي تعمل في هذا المجال، ومسؤولیاتهم، وأدوارهم، ومن ثم وضع خارطة طریق واستراتیجیة وطنیة للصحة العامة، تلم شتاتها، وتبیّن أدوار كل قطاع. والبناء على ما تحقق من نجاحات تمت في "المركز الوطني للوقایة من الأمراض ومكافحتها"، وغیرها من القطاعات.

ولعل من أهم ما یمكن عمله بشكل عاجل في الهیئة متابعة ما تم في موافقة خادم الحرمین الشریفین على أن تكون الصحة العامة سیاسة وأولویة في جمیع الأنظمة والتشریعات لمكافحة الأمراض والوقایة منها. وهذا وحده مَوطن قوة للهیئة. وهي بحاجة للعمل على إزالة التداخل والازدواجیة ما بین صلاحیاتها وصلاحیات عدد من القطاعات الأخرى، ولعل في مقدمتها الصلاحیات المتعلقة بالصحة العامة، وتعزیز الصحة لدى المجلس الصحي، التي من المفترض نقلها للهیئة، ومن ثم إعطاؤها ثقلها الكافي بعیدًا عن الارتجالیة.

ولعلي أهمس في أذن الهیئة بأن تضع نصب عینیها شركة الصحة القابضة ووحدات الأعمال التابعة لها، وتجمعاتها الصحیة؛ فهنا یقبع جزء كبیر من مستقبل الصحة في المملكة، وأن تضع یدیها بیدي الشركة، وتتساءل معها عن مكونات الصحة العامة، وتعزیز الصحة في خططها؟ وهل فعلاً تأخذ مكانها الحقیقي في تلك الوحدات والتجمعات ومجتمعاتها؟ أم ما زالت الخدمات العلاجیة تنهب مكانة الخدمات الوقائیة؟

أما "تمكین المجتمع" فهو جوهر العمل في تعزیز الصحة. والهیئة بحاجة لمناصرة إنشاء مبادرات وطنیة قائمة على البراهین في ذلك، تصل إلى جذور المجتمع؛ لیصبح شریكًا في اتخاذ القرارات الصحیة، وتنفیذها، وتقییمها، لا مجرد متلقٍ للخدمة.

ماذا عن برامج التوعیة الصحیة الوطنیة وحملاتها؟ هل هي فعالة؟ متى نلم شتاتها وتَفرُّقها؟ متى نحشد لها مزیدًا من الكفاءات المتخصصة التي تقدّم التوعیة بطریقة مؤسسیة مستدامة، تصنع الأثر في المجتمع؟

أما الالتفات لتحسین صحة الناشئة، وتعزیز الصحة في التعلیم بقطاعاته كافة، فالمفترض أن یكون في صلب الأجندة وسياسة الهیئة، مع تطویر سیاسات وأنظمة، تضع التوعیة الصحیة في قلب المناهج التعلیمیة بطرق مبنیة على "البراهین العلمیة"، تصنع الأثر في الجیل القادم، وتركّز على ما نسمیه "المهارات الحیاتیة"، لا مجرد سرد لمعلومات صحیة.. إضافة إلى أن الصحة العامة بحاجة إلى تطویر البنى التحتیة لها، بما في ذلك بناء القدرات، وتأمین دخول مالیة مستدامة، ووضع الأنظمة الداعمة للبحوث الصحیة، وهو ما نأمل أن تحققه هیئتنا الفتیة.

أما دعم وتعزیز إنفاذ التشریعات والأنظمة واللوائح المعنیة بالصحة العامة؛ لتصبح واقعًا ملموسًا، فهو محك رئیس لنجاح الهیئة. وهناك حاجة لبرامج رقابة وعقوبات صارمة، تضرب بید من حدید على المتلاعبین بصحة المجتمع وبائعي المرض.

ولا أبالغ إذا قلت إن كل ما سبق ذكره من تشریعات وأنظمة معززة للصحة في الهیئة قد لا تُحقق أثرًا فعّالاً، ولا تُنجز هدفًا بكفاءة، إذا لم یصاحبه تأهیل قیادیین متعطشین لذلك، متوثبین لتحقیق رؤیة 2030، مسلحین بقدر عالٍ من المهارات القیادیة والتفكیر الاستراتیجي، واتخاذ القرار والتأیید والتمكین، وتبني الأسس العلمیة والمؤسسیة في برامج الصحة العامة وتعزیز الصحة بعیدًا عن الارتجالیة.

ماذا بعد؟!! كل ما یحتاج إلیه الأمر في الهیئة قدر عالٍ من التأیید والشجاعة والطموح والعمل المؤسسي. وكما تقول منظمة الصحة العالمیة، فجدول الأعمال واسع وجريء، والطریق إلى الأمام واضحة كل الوضوح، وهي ملیئة بمَواطن القوة والفرص كما التحدیات!!

04 مارس 2021 - 20 رجب 1442

01:14 AM

اخر تعديل

04 مارس 2021 - 20 رجب 1442

02:05 AM


هیئة الصحة العامة.. وریاح التطویر

عبدالرحمن القحطاني - الرياض

A A A

ما زلتُ أذكر جیدًا تصریحًا سابقًا لي عام 2007 في صحیفة الریاض، طالبتُ فیه بإنشاء منظومة وطنیة متكاملة لتعزیز الصحة، بما في ذلك الصحة العامة، تضمن توفیر البیئة الداعمة لتعزیز الصحة، وتشكیل التأیید السیاسي لذلك، ووضعها في صلب أجندة القرارات والسیاسات والاستراتیجیات الوطنیة لدى القطاعات المعنیة، مع بناء سیاسات وبرامج وطنیة مؤسسیة فعّالة.

وتحدثت في أكثر من تصریح ومقال بأنه لا یوجد ما یبرر الاستمرار في إهمال الصحة العامة وتعزیز والإعاقة، واستنزاف الخدمات الصحیة، وإتاحة المجال لوباء الأمراض المزمنة في اغتیال آلاف الأرواح سنویًّا، وإحداث العجز. إلا أنّ الصورة تحسنت في السنوات الأخیرة، وأصبحت أكثر وضوحًا تجاه الصحة العامة وتعزیزها، في ظل ریاح التطویر لدى وزارة الصحة نحو تعزیز الصحة في المجتمع، التي بدأت بشكل ملموس مع تولي معالي الدكتور توفیق الربیعة وزارة الصحة.

وفي ظل النجاحات المستمرة للمملكة في السیطرة على جائحة كورونا یأتینا خبر موافقة مجلس الوزراء على تحویل "المركز الوطني للوقایة من الأمراض ومكافحتها" إلى هیئة عامة بمسمى "هیئة الصحة العامة".

وتأتي هذه الهیئة في ظل مَواطن قوة وفرص مواتیة للعمل وفق منهجیة مؤسسیة مبنیة على البراهین.

فها هي رؤیة 2030 وبرنامج التحول الوطني لوزارة الصحة ینصان بما لا یدع مجالاً للشك على أهمیة الصحة العامة، وتعزیز الصحة في المجتمع، والتركیز على الخدمات الوقائیة، وقبل ذلك نملك قیادة حكیمة، تضع تعزیز الصحة في أولویاتها.

وبوصفنا متخصصین في تعزیز الصحة، نؤمن تمامًا بأن معظم محددات الصحة وتعزیزها في المجتمع تقبع خارج وزارة الصحة والقطاعات الصحیة؛ وبالتالي فعندما نذكر "القطاعات المعنیة" فلا نعني القطاعات الصحیة فقط، وإنما التعلیمیة والاقتصادیة والتجاریة والمالیة والاجتماعیة والإعلامیة والإنمائیة والریاضیة.. وغیرها.

وهنا یأتي أكبر التحدیات التي یمكن أن تواجهها الهیئة الناشئة. وفي اعتقادي إن من أهم الخطوات لتحقیق الشراكة مع تلك القطاعات تبنّي مفهوم بناء التأیید Advocacy Building لقضایا الصحة العامة وتعزیز الصحة؛ وهو ما یُسهم في تحدید وتوزیع الأدوار فیما بینها بشكل تكاملي فعّال.

والمؤسف أن العدید من تلك القطاعات لا تُعطي الصحة العامة حقها من التأیید ولا التعامل معها كقضایا ذات أولویة.

ولا أبالغ إذا قلت إن الهیئة بحاجة لإدارة متكاملة بمسمى إدارة صناعة وتعزیز الصحة وطنیًّا.

التأیید، بل لا أبالغ إذا قلت إن الهیئة بحاجة ماسة لصناعة استراتیجیة شاملة لبناء التأیید للصحة العامة. والهیئة، وهي في بدایة الطریق، بحاجة ماسة لعمل تحلیل كامل وشامل لوضع الصحة العامة في المملكة، یضمن حصر السیاسات والأنظمة واللوائح والبرامج والقوى البشریة كافة المتعلقة بمجال عملها ومواردها، وحصر القطاعات كافة التي تعمل في هذا المجال، ومسؤولیاتهم، وأدوارهم، ومن ثم وضع خارطة طریق واستراتیجیة وطنیة للصحة العامة، تلم شتاتها، وتبیّن أدوار كل قطاع. والبناء على ما تحقق من نجاحات تمت في "المركز الوطني للوقایة من الأمراض ومكافحتها"، وغیرها من القطاعات.

ولعل من أهم ما یمكن عمله بشكل عاجل في الهیئة متابعة ما تم في موافقة خادم الحرمین الشریفین على أن تكون الصحة العامة سیاسة وأولویة في جمیع الأنظمة والتشریعات لمكافحة الأمراض والوقایة منها. وهذا وحده مَوطن قوة للهیئة. وهي بحاجة للعمل على إزالة التداخل والازدواجیة ما بین صلاحیاتها وصلاحیات عدد من القطاعات الأخرى، ولعل في مقدمتها الصلاحیات المتعلقة بالصحة العامة، وتعزیز الصحة لدى المجلس الصحي، التي من المفترض نقلها للهیئة، ومن ثم إعطاؤها ثقلها الكافي بعیدًا عن الارتجالیة.

ولعلي أهمس في أذن الهیئة بأن تضع نصب عینیها شركة الصحة القابضة ووحدات الأعمال التابعة لها، وتجمعاتها الصحیة؛ فهنا یقبع جزء كبیر من مستقبل الصحة في المملكة، وأن تضع یدیها بیدي الشركة، وتتساءل معها عن مكونات الصحة العامة، وتعزیز الصحة في خططها؟ وهل فعلاً تأخذ مكانها الحقیقي في تلك الوحدات والتجمعات ومجتمعاتها؟ أم ما زالت الخدمات العلاجیة تنهب مكانة الخدمات الوقائیة؟

أما "تمكین المجتمع" فهو جوهر العمل في تعزیز الصحة. والهیئة بحاجة لمناصرة إنشاء مبادرات وطنیة قائمة على البراهین في ذلك، تصل إلى جذور المجتمع؛ لیصبح شریكًا في اتخاذ القرارات الصحیة، وتنفیذها، وتقییمها، لا مجرد متلقٍ للخدمة.

ماذا عن برامج التوعیة الصحیة الوطنیة وحملاتها؟ هل هي فعالة؟ متى نلم شتاتها وتَفرُّقها؟ متى نحشد لها مزیدًا من الكفاءات المتخصصة التي تقدّم التوعیة بطریقة مؤسسیة مستدامة، تصنع الأثر في المجتمع؟

أما الالتفات لتحسین صحة الناشئة، وتعزیز الصحة في التعلیم بقطاعاته كافة، فالمفترض أن یكون في صلب الأجندة وسياسة الهیئة، مع تطویر سیاسات وأنظمة، تضع التوعیة الصحیة في قلب المناهج التعلیمیة بطرق مبنیة على "البراهین العلمیة"، تصنع الأثر في الجیل القادم، وتركّز على ما نسمیه "المهارات الحیاتیة"، لا مجرد سرد لمعلومات صحیة.. إضافة إلى أن الصحة العامة بحاجة إلى تطویر البنى التحتیة لها، بما في ذلك بناء القدرات، وتأمین دخول مالیة مستدامة، ووضع الأنظمة الداعمة للبحوث الصحیة، وهو ما نأمل أن تحققه هیئتنا الفتیة.

أما دعم وتعزیز إنفاذ التشریعات والأنظمة واللوائح المعنیة بالصحة العامة؛ لتصبح واقعًا ملموسًا، فهو محك رئیس لنجاح الهیئة. وهناك حاجة لبرامج رقابة وعقوبات صارمة، تضرب بید من حدید على المتلاعبین بصحة المجتمع وبائعي المرض.

ولا أبالغ إذا قلت إن كل ما سبق ذكره من تشریعات وأنظمة معززة للصحة في الهیئة قد لا تُحقق أثرًا فعّالاً، ولا تُنجز هدفًا بكفاءة، إذا لم یصاحبه تأهیل قیادیین متعطشین لذلك، متوثبین لتحقیق رؤیة 2030، مسلحین بقدر عالٍ من المهارات القیادیة والتفكیر الاستراتیجي، واتخاذ القرار والتأیید والتمكین، وتبني الأسس العلمیة والمؤسسیة في برامج الصحة العامة وتعزیز الصحة بعیدًا عن الارتجالیة.

ماذا بعد؟!! كل ما یحتاج إلیه الأمر في الهیئة قدر عالٍ من التأیید والشجاعة والطموح والعمل المؤسسي. وكما تقول منظمة الصحة العالمیة، فجدول الأعمال واسع وجريء، والطریق إلى الأمام واضحة كل الوضوح، وهي ملیئة بمَواطن القوة والفرص كما التحدیات!!

ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة صحيفة سبق الإلكترونية ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من صحيفة سبق الإلكترونية ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق