مايك دولان*
منذ أن ظهر تطبيق «تشات جي بي تي» إلى العلن قبل ثلاثة أعوام، انقسم المستثمرون إلى فريقين: فريق اندفع بقوة نحو موجة الذكاء الاصطناعي، وفريق آخر لم يتوقف عن التحذير من فقاعة تكنولوجية جديدة تلوح في الأفق.
المتفائلون يؤمنون بأن «هذه المرة مختلفة»، لأن الذكاء الاصطناعي لا يمثل مجرد قصة تقييمات أسهم أو قطاع محدود، بل تحوّل اقتصادي شامل على مستوى الاقتصاد الكلي. في المقابل، يرى المشككون أن خطر «سخونة» الاقتصاد لا يزال قائماً بقوة.
وتعتمد استثمارات بمليارات الدولارات في مجال الذكاء الاصطناعي خلال السنوات الخمس المقبلة على قناعة بأن تحولاً تكنولوجياً ضخماً يغيّر بنية الاقتصاد الأمريكي، وربما العالمي، بات جارياً بالفعل. غير أن المتحفظين يرون أن الاعتماد على الإيمان وحده لا يكفي، ويحذرون من أن العوائد قد لا تبرر هذا الإنفاق المحموم، في ظل ارتفاع التقييمات، وتصاعد المديونية، ووجود رابحين وخاسرين بشكل لا مفر منه.
ولأخذ رؤية أوسع، يمكن النظر إلى المسألة من منظور تاريخي طويل، لفهم ما قد يعنيه الذكاء الاصطناعي لنمو الاقتصاد مقارنة بما شهده الماضي.
وتناول استراتيجيون في شركة بلاك روك، أكبر مدير أصول في العالم، هذا السؤال في تقريرهم السنوي، الذي خلص إلى أن حتى هذا التحول التكنولوجي الهائل سيجد صعوبة بالغة في إخراج الاقتصاد الأمريكي من مساره التاريخي الذي سار عليه طوال قرن ونصف القرن.
يقول التقرير: «الولايات المتحدة تقف عند حدود الريادة الاقتصادية العالمية، لكن جميع الابتكارات الكبرى خلال ال150 عاماً الماضية، من المحرك البخاري والكهرباء إلى الثورة الرقمية، لم تكن كافية لكسر اتجاه النمو البالغ نحو 2%. إن تجاوز هذا الحد ليس بالأمر السهل.»
ومع ذلك، ترى «بلاك روك» أن هذا الاختراق، وإن كان صعباً، ليس مستحيلاً. والسبب هو أن الذكاء الاصطناعي، من وجهة نظرها، ليس مجرد ابتكار بحد ذاته، بل يتمتع بالقدرة على ابتكار عملية الابتكار نفسها. أي إن الذكاء الاصطناعي قد يصبح قادراً على توليد أفكار جديدة واختبارها وتحسينها ذاتياً، ما قد يسرّع من وتيرة الاكتشافات العلمية في مجالات المواد والأدوية والتكنولوجيا.
ويُظهر رسم بياني أعدته «بلاك روك» لنمو نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في الولايات المتحدة منذ عام 1870 أن النمو ظل قريباً من خط 2%، باستثناء فترات اضطراب كبرى مثل الحرب العالمية الثانية. كما لم تسجل سوى فترتين من النمو فوق المعدل: أواخر القرن التاسع عشر، وتسعينات القرن الماضي. ورغم ذلك، لم ينحرف المسار طويلاً عن هذا الاتجاه.
ومع هذا، قد يكون السؤال المطروح اليوم: هل تكون هذه المرة مختلفة فعلاً؟
من الواضح أن قصة الذكاء الاصطناعي هذا العام غطّت على معظم المخاوف الأخرى، سواء المتعلقة بالدورة الاقتصادية أو السياسات النقدية والمالية. لكن بينما ينتظر العالم ثمار هذا التحول الكبير، يبقى الأفق الاقتصادي القريب، في نظر كثيرين، محكوماً بسقف نمو قريب من 2%، خاصة مع استمرار الاختناقات في سوق العمل وسلاسل الإمداد والطاقة والقدرة الإنشائية.
ومع أن نمو الناتج المحلي تجاوز التوقعات منذ صدمة الرسوم الجمركية في بداية العام، وتسارع الاستثمار الرأسمالي، في وقت لا يزال فيه التضخم أعلى من هدف 2%، فإن عدداً متزايداً من الاقتصاديين باتوا يخشون من أن يشهد العام المقبل سخونة اقتصادية مفرطة.
وتعود الأنظار مرة أخرى إلى سياسة الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، في ظل استمرار التيسير النقدي، وما يرافقه من قلق متصاعد بشأن التأثير السياسي المحتمل على البنك المركزي، خاصة مع اقتراب انتهاء ولاية رئيسه الحالي جيروم باول في مايو المقبل.
وعلى عكس سنوات سابقة، بات يُنظر إلى المزيد من خفض الفائدة اليوم باعتباره مخاطرة اقتصادية بقدر ما هو فرصة: فهو مفيد على المدى القصير لأسواق الأسهم والأصول الخطرة، لكنه قد يحمل في طياته مشكلات تضخمية على المدى الأطول.
وفي مراجعة تاريخية أخرى، أشار الخبير الاستراتيجي في «دويتشه بنك»، هنري ألين، إلى أن خفض أسعار الفائدة خارج فترات الركود كثيراً ما أدى في السابق إلى موجات من السخونة الاقتصادية. ولفت إلى أن خفض الاحتياطي الفيدرالي للفائدة بمقدار 150 نقطة أساس منذ سبتمبر من عام 2024 يُعد الأسرع خارج فترات الركود منذ ثمانينات القرن الماضي.
وقال ألين: «الخفض السريع للفائدة كثيراً ما يؤدي إلى سخونة الاقتصاد، خاصة إذا ترافق مع سياسة مالية توسعية. ومن أبرز الأمثلة على ذلك الولايات المتحدة في أواخر الستينات، عندما أدى خفض الفائدة إلى موجة تضخم جديدة انتهت لاحقاً بركود بعد أن عاد الفيدرالي للتشديد».
* محرر أسواق المال في «رويترز»
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة صحيفة الخليج ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من صحيفة الخليج ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
