يواجه بعض الأطفال ظروف سيئة في سنوات طفولتهم الأولى كالعنف أو الأهمال المتكر،، أو المشكلات الأسرية فييعيشون تفاصيل صعبة ومؤلمة، لا تختفي مع مرور الوقت، بل قد ترافق الطفل إلى مرحلة البلوغ، وتؤثر على ثقته بنفسه، وقدرته على التعلم، وبناء العلاقات، واتخاذ القرارات، كما قد تؤثر سلباً على الوظائف الإدراكية للأطفال لعدة سنوات.
بينما يؤكد أطباء علم النفس أن التأثيرات الإيجابية، مثل الدعم من الأصدقاء ومشاركة الوالدين، يمكنها أن تمحو الكثير.
وأمام هذه الحقيقة، كان اللقاء مع الدكتور أحمد نادر، أستاذ طب الأطفال، لتوضيح أبرز ملامح ما يتعرض له الطفل في سنواته الأولى من مصاعب ومشاكل أسرية، وكيفية تأثير مصاعب الطفولة على الدماغ، مع شرح لبعض طرق العلاج.
صدمات الطفولة
قسوة المعاملة والضرب
الطفولة تحتاج لبيئة آمنة، ولكنْ كثيرٌ من الأطفال لا يكبرون في بيئة آمنة داعمة، بعضهم يواجه صعوبات قاسية، قد تكون واضحة؛ مثل الضرب وسوء المعاملة، أو خفية؛ مثل الإهمال العاطفي، والفقر، وغياب الاحتواء، وعدم تلبية الحاجات الأساسية.
لا يزال الضرب يُستخدم في بعض البيوت كوسيلة تربية، لكن الطفل لا يفسّر الضرب على أنه تهذيب، بل على أنه تهديد وخوف وإذلال، ومع التكرار، يدخل دماغه في حالة استنفار دائم، كأنه يعيش في خطر مستمر.
هذا الخوف المزمن يؤثر على مراكز الذاكرة والتركيز، ويجعل الطفل أكثر عرضة للقلق، والغضب، وضعف التحكم في المشاعر.
الإهمال العاطفي
قد لا يُضرب الطفل، لكنه لا يُحتضن، لا يُستمع إليه، لا يجد من يفرح لنجاحه أو يواسيه عند حزنه، هذا النوع من الإهمال مؤلم بقدر العنف الجسدي، بل أحياناً أكثر.
الطفل يحتاج إلى الحب كما يحتاج إلى الطعام، وعندما لا يُشبع هذا الاحتياج، يبدأ بالشعور أنه غير مهم، وغير مرئي، وغير مستحق للاهتمام.
الفقر وعدم تلبية الحاجات
الفقر لا يعني فقط قلة المال، بل يعني أحياناً الشعور بالحرمان من الأمان والاستقرار، والرعاية الصحية، وحتى التعليم الجيد. الطفل الذي ينشأ في بيئة تفتقر إلى الأساسيات، يعيش ضغطاً نفسياً دائماً، يشعره بالعجز والخوف من المستقبل.
تشير أرقام عالمية إلى أن ملايين الأطفال حول العالم يعيشون تحت خط الفقر، وأن هؤلاء الأطفال أكثر عرضة لمشاكل نفسية وتعليمية طويلة الأمد.
غياب الوقت والاحتواء
في زحمة الحياة، وانشغال الأهل بالعمل أو الضغوط اليومية، قد يُحرم الطفل من أبسط حقوقه؛ الوقت، دقائق من الإصغاء، اللعب، أو الحديث قبل النوم، وكل هذا يصنع فارقاً هائلاً في شعور الطفل بالأمان، كما أن غياب هذا التواصل اليومي، يجعل الطفل يشعر بالوحدة، حتى وهو يعيش داخل أسرة.
يمكنك أيضًا الاطلاع على هل نربي أطفالاً واثقين أم خائفين؟.. رحلة الطفولة بين الحماية، القلق، والعالم الرقمي!
كيف تؤثر هذه الصعوبات على دماغ الطفل؟
دماغ الطفل في سنواته الأولى، يكون في مرحلة نمو سريع وحسّاس، التجارب الحياتية التي يمرّ بها تُشكّل الوصلات العصبية، وتحدد كيف سيتعامل مع العالم لاحقاً؟
عندما يتعرض الطفل للخوف أو الإهمال بشكل متكرر، يفرز جسمه هرمونات توتر بكميات عالية، ويتعلم دماغه أن العالم مكان غير آمن، وتضعف قدرته على التركيز والتعلم، وتتأثر ثقته بنفسه وتقديره لذاته.
هنا تشير الدراسات إلى أن الأطفال الذين تعرضوا لصدمات متكررة في الطفولة، يصبحون أكثر عرضة لمشاعر الاكتئاب والقلق في الكبر، وأقل قدرة على بناء علاقات مستقرة، وأحياناً يكررون نفس أنماط التربية القاسية من دون وعي.
انكسار الثقة بالنفس.. الجرح الأعمق
من أخطر ما تورثه الطفولة القاسية هو فقدان الثقة بالنفس؛ فالطفل الذي يُهان أو يُهمَل، يبدأ بتصديق فكرة أنه "غير كافٍ" أو "غير محبوب"، هذا الصوت الداخلي قد يرافقه سنوات طويلة.
يخاف من الفشل، يتجنب التجربة، يشك في قدراته، يبحث عن القبول بأي ثمن، لكن الخبر الجيد أن هذا الجرح، مهما كان عميقاً، ليس نهائياً.
الحلول التدريجية تبدأ من البيت
نعم، يمكن الإصلاح؛ فالدماغ يمتلك قدرة مذهلة على التعافي، خاصة عندما تتغير البيئة ويشعر الطفل بالأمان والدعم، وهنا يأتي دور الأم، والأسرة، وكل بالغ واعٍ في حياة الطفل.
التوقف عن العنف تماماً:
أول خطوة حقيقية هي كسر دائرة الضرب والصراخ، التربية لا تحتاج إلى ألم، بل إلى وعي وصبر.
الشرح بدلاً من العقاب:
الطفل يُخطئ لأنه يتعلم، لا لأنه سيئ، لهذا على الآباء شرح الخطأ بهدوء، وربط السلوك بنتائجه، ما يُعلّم الطفل التفكير بدلاً من الخوف.
الاحتواء اليومي:
كلمة طيبة، حضن، نظرة فخر، هذه التفاصيل الصغيرة تعيد بناء ما تهدّم في داخل الطفل.
تخصيص وقت حقيقي:
حتى عشر دقائق يومياً من التركيز الكامل مع الطفل، من دون هاتف أو انشغال، تصنع أثراً عميقاً في شعوره بالأمان.
تعزيز النجاح مهما كان بسيطاً:
الاحتفال بالإنجازات الصغيرة يعيد للطفل ثقته بنفسه، ويحفّزه على المحاولة من جديد.
بدائل تربوية:
- وضع حدود واضحة بلطف.
- استخدام الحوار بدلاً من الأوامر.
- تعليم الطفل التعبير عن مشاعره.
- أن تكون الأم قدوة في الهدوء واحترام الذات.
هذه الأساليب لا تُثمر فوراً، لكنها على المدى الطويل تخلق طفلاً واثقاً، متوازناً، وقادراً على النجاح.
رسالة إلى كل أم
إلى كل أمّ تشعر بالذنب لأنها أخطأت أو قصّرت، أو لم تكن تعلم: الوعي بداية التغيير، وإلى كل أم حامل: ما تمنحينه لطفلك من أمان وحب يبدأ أثره من الآن.
الطفولة القاسية ليست قدراً محتماً، ولا حكماً نهائياً؛ بالحب -سيدتي- والفهم، والتدرّج؛ يمكن تحويل الألم إلى قوة، والجراح إلى دافع للتميّز، فالطفل الذي يجد من يؤمن به، يستطيع أن يتجاوز أقسى البدايات، ويصنع مستقبلاً مختلفاً.
* ملاحظة من "سيدتي": قبل تطبيق هذه الوصفة أو هذا العلاج، عليك استشارة طبيب متخصص.

ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة سيدتى ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من سيدتى ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
