يشكّل الخروج من “منطقة الراحة” أحد أهم سمات المستثمر الناجح، حيث إن المشهد الاستثماري يتغير باستمرار، والركون إلى قرارات أو قناعات قديمة قد يؤدي بالمستثمر إلى الخسائر أو فقدان بعض المكاسب المحتملة.
فلا شك أن تحيز "الوضع الراهن" (Status Quo Bias) أحد أبرز العوائق النفسية التي تدفع المستثمرين إلى الإبقاء على محافظهم كما هي، حتى حين تشير الأدلة بوضوح إلى أن التغيير هو القرار الأفضل.
ويتجسد هذا الانحياز في صورة بطء متكرر عند تعديل الاستثمارات، والإبقاء على أسهم أو استثمارات غير ذات عائد أو حتى خاسرة، فضلًا عن التأخر الملحوظ في إعادة التوازن للمحفظة.

خسارة لسنوات
ومن الأمثلة الصارخة على هذا التحيز ما فعله مستثمر أمريكي ترك حساباته التقاعدية في صندوق "تارجت ديت" (Target Date) ضعيف العائد، بسبب خوفه من "تعقيد التحويل" بين شركات الوساطة.
وهنا وقع هذا المستثمر في خطأ المبالغة في تقدير المخاطر، وهي أحد أهم الأسباب التي تؤدي إلى "تحيز الوضع الراهن"، إذ ظنّ أن العملية ستسبب مشاكل ضريبية أو نقلًا خاطئًا للأصول.
وبناءً على ذلك، استمرت أموال هذا المستثمر خمس سنوات في صندوق حقق 12%، بينما حقق مؤشر "ستاندرد آند بورز 500" نحو 18.5% في الفترة نفسها، أي أنه خسر آلاف الدولارات خلال هذه المدة. وعندما قرر أخيرًا التغيير، اكتشف أن العملية استغرقت 15 دقيقة فقط لسحب استثماراته من صندوق ونقلها إلى آخر أعلى ربحية.
وقد وثّقت تجارب الاقتصاد السلوكي هذا التحفظ تجاه التغيير، حيث أظهرت أن الأفراد يفضلون الخيارات المألوفة والافتراضية على المجهول، وأن هذا التفضيل يحدث حتى عندما تكون تكلفة الانتقال ضئيلة والمنافع المستقبلية المتوقعة كبيرة، مما يعكس ميلًا إلى “الركون” للوضع القائم.
ووراء هذا السلوك حقيقة أن السلوك البشري يتحرك بفعل “المحفزات”، سواء كانت إيجابية أو سلبية، أو كما يقال: الألم واللذة (المكسب)، فبدون التأكد من فائدة التغيير أو أضرار بقاء الوضع على ما هو عليه، فإن أغلبية الناس تميل إلى البقاء دون تغيير.

وتكشف الدراسات أن نسبة 40% على الأقل من المستثمرين لا يراجعون محافظهم الاستثمارية ولا أساسيات الشركات التي يمتلكون أسهمها إلا نادرًا، ويمكن إرجاع ذلك إلى أن خيار "عدم الفعل" يبدو دومًا أسهل للمستثمر الذي لا يملك المعارف الكافية، أو ذلك الذي يشعر بالحيرة بسبب الإغراق المعلوماتي الكبير.
الجمود العدو الأهم
ويرصد عملاق إدارة الأصول الأكبر عالميًا "بلاك روك" أثر الجمود والتحيز للحاضر على المستثمرين، حيث أكدت دراسة للصندوق أن الجمود هو "العدو الأول" اليوم في ظل بيئة استثمارية تتسم بالتغير المستمر.
وتُظهر تحليلات الصندوق أن “عدم الفعل” يكلّف المستثمر 3-6% سنويًا مقارنة بمستثمر يُجري تعديلات جوهرية تتسق مع تغيّـر حقائق الأسهم. وفي بعض الحالات، لا يقوم المستثمر بالتغيير على الرغم من إدراكه لضرورته، لكنه يتجنبه خوفًا من الخسارة، حتى وإن كان يحتفظ بأسهم متراجعة.
ولذلك توصي "بلاك روك" بأن يكون التعديل في المحفظة "ذا معنى"، حيث إن نسبة كبيرة من المتداولين تميل إلى إحداث تغيير محدود للغاية في المحفظة الاستثمارية (1-3%) حتى في ظل إدراكهم لضرورة التغيير.
وتدعم التجارب في الأسواق هذه النتائج، إذ يواصل المتداولون الاحتفاظ بأسهم متدنية الأداء رغم توفر المعلومات التي تحثهم على البيع.
وتشير دراسات شركة "مورنينغ ستار" للخدمات المالية إلى أن الكثيرين يلجؤون إلى ترك الأمور كما هي، طمعًا في أن تكون هذه استراتيجية ناجحة، دون حتى الاستجابة إلى تغيرات أساسية مثل التضخم وسعر الفائدة على المدى الطويل، وانعكاساتهما في ضرورة تغيير بعض الأسهم في المحفظة.
وليست هذه دعوة إلى التغيير المستمر للأسهم أو ما يُعرف بـ”التداول النشط” أو المضاربة، حيث إن الغالبية الكاسحة من المضاربين ينتهي بهم الحال إلى خسارة أموالهم (تصل النسبة إلى 98)، بل هي دعوة لتجنب الركود المبالغ فيه للمحفظة الاستثمارية.
التغيير مع الدورات الاقتصادية
ويكشف استطلاع لـ”مورنينغ ستار” أن المتداولين الذين يغيرون محافظهم الاستثمارية مع الدورات الاقتصادية (التي تختلف أطوالها لكنها تمتد من3 -10 سنوات بمتوسط 4.5-5.5 أعوام) يحققون أرباحًا تبلغ أكثر من ضعفي أولئك الذين يحتفظون بالمحفظة الاستثمارية ذاتها بغض النظر عن الدورات الاقتصادية.
(ويلاحظ هنا أن فترة الاحتفاظ بالسهم قد تمتد لسنوات وليست أسابيع أو أشهر تجنبًا لمخاطر التقلب السريع، لكن ذلك لا يعني الاحتفاظ به بلا سقف زمني).

وفي مقابل الجمود الذي يصيب كثيرًا من المستثمرين، قدّم وارن بافيت نموذجًا عمليًا في التحرر من تحيز الوضع الراهن عبر قراراته تجاه سهم "أبل".
فبعد أن ظل لسنوات يتجنب قطاع التكنولوجيا، اخترق بافيت "منطقة الراحة" الخاصة به ببدء الاستثمار في الشركة عام 2016 بشراء نحو 9.8 مليون سهم.
ولم يتوقف عند حدود "المألوف"، بل عزز حيازته لتصبح "أبل" العمود الفقري لمحفظة "بيركشاير هاثاواي"، حيث بلغت القيمة السوقية لحصته في ذروتها أكثر من170 مليار دولار، ليمثل السهم وحده نحو 50% من إجمالي محفظة الأسهم، متجاوزًا بذلك قواعد التنويع التقليدية، بسبب ثقته في نمو السهم.
وعندما بدأت المعطيات الاقتصادية في التغير بحلول عام 2024، لم يسقط بافيت في فخ “تحيز الوضع الراهن”، بل خفّضت شركته حصتها في “أبل” بنسبة تقترب من 50% خلال الربع الثاني من 2024 وحده، لتتراجع من نحو 790 مليون سهم في بداية العام إلى قرابة 400 مليون سهم.
ويعكس هذا القرار قدرة فائقة على اتخاذ “قرار نشط” بالخروج لجني الأرباح وبناء سيولة نقدية قياسية بلغت 277 مليار دولار، مفضلًا كلفة الضرائب والابتعاد عن “الوضع الحالي” على البقاء في مركز استثماري قد يواجه مخاطر مرتفعة أو تغيرات في دورة السوق، كما حذرت “مورنينغ ستار”.
وتُظهر لغة الأرقام أن تجربة بافيت مع “أبل” حققت مكاسب رأسمالية هائلة، حيث كان متوسط سعر الشراء التقديري للسهم يتراوح بين35 و40 دولارًا (معدلًا بالانقسامات)، بينما جرت عمليات البيع الكبرى والسهم يتداول فوق مستويات 190 و200 دولار.
لذا فإن تخلص بافيت من نحو نصف حصته في أكبر استثمار تاريخي له، رغم جاذبية الشركة حتى الآن، يبرهن على أن الاستثمار الناجح يتطلب مراجعة دورية تقضي على “اطمئنان الوضع الراهن”، واستبداله باستراتيجية تعيد ترتيب الأولويات بناءً على الفرص البديلة، والأهم إعادة تقييم المخاطر، حتى لو كان ذلك يعني التخلي عن السهم “المفضل” الذي صنع المليارات.
لتجنب التحيز

وللحد من تأثير هذا الانحياز النفسي، يمكن للمستثمر اتباع النصائح التالية:
- راجع محفظتك بشكل دوري (ربع سنوي أو نصف سنوي) بدل تركها لسنوات دون تقييم على ألا يكون التقييم يومياً أو شهرياً حتى لا يتحول الأمر لهاجس يؤرق المتداول.
- قَيّم الاستثمار بناءً على البيانات الحالية وليس على المشاعر أو التعود عليه.
- احسب تكلفة “عدم الفعل” بنفس أهمية حساب تكلفة التغيير—فالركود قد يكلفك 3–6% سنويًا من العائدات.
- ضع معايير واضحة للخروج والدخول مثل: مستوى تراجع محدد، تغير في أساسيات الشركة، أو تغير في الدورة الاقتصادية.
- تعامل مع التغيير على أنه عملية بسيطة غالبًا ما يكون أسهل مما تتوقع بكثير، كما حصل مع المستثمر الذي استمر سنوات خاسرًا قبل أن يغير هذا في15 دقيقة.
- تجنب الإفراط في تقدير المخاطر: كثير من المخاطر “المتوهمة” تبين لاحقًا أنها ليست حقيقية.
- استخدم المعلومات لا الانطباعات: احرص على الرجوع لتقارير موثوقة عند اتخاذ أي قرار.
- قاوم الخوف من فقدان شيء مألوف: فالأصل في الاستثمار هو تحقيق أفضل عائد، وليس الحفاظ على الوضع القائم.
- تعلم من كبار المستثمرين: كن مستعدًا لزيادة حيازتك أو تقليلها عند تغيّر الظروف، كما فعل وارن بافيت مع سهم أبل.
المصادر: أرقام- مورنينج ستار- سي.إن.بي.سي- فوربس- ايكونوميست
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة ارقام ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من ارقام ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
