اقتصاد / ارقام

70 % من التجارة العالمية .. لمن تعمل سلاسل القيمة حقاً؟

  • 1/2
  • 2/2

كثيرا ما تقدم سلاسل القيمة العالمية بوصفها الوصفة السحرية للتنمية في عصر العولمة: اندمج في التجارة العالمية، طوّر منتجاتك، ارتقِ في سلاسل الإنتاج، وستلحق بركب الازدهار. لكن ماذا لو كانت هذه الوصفة ذاتها هي جزءًا من المشكلة؟

 

في كتاب جديد بعنوان «سلاسل القيمة الرأسمالية: استغلال العمل، تدمير الطبيعة، والجغرافيا السياسية»، يقدّم الباحث الاقتصادي بنجامين سيلوين، بالاشتراك مع كريستين برنهولد، قراءة نقدية حادة تهزّ السرديات السائدة حول التجارة والتنمية، كاشفاً الوجه الآخر لسلاسل القيمة العالمية: استغلال واسع للعمال، تنمية غير متكافئة، تدمير بيئي متسارع، وصراعات جيوسياسية محتدمة.

 

 

ما هي سلاسل القيمة العالمية؟

 

تشكل سلاسل القيمة العالمية (GVCs) شرايين الرأسمالية العالمية، إذ يمر عبرها نحو 70% من التجارة الدولية. وهي شبكات إنتاج موزّعة عبر دول عدة، تقوم فيها شركات مورِّدة بتقديم السلع والخدمات إلى شركات قائدة، غالباً ما تكون شركات متعددة الجنسيات.

 

يكفي أن تنظر إلى حاسوبك المحمول أو هاتفك الذكي لتدرك جوهر هذه السلاسل: منتجات تُصمَّم في بلد، وتُصنَّع أجزاؤها في بلدان أخرى، وتُجمَّع في مكان ثالث.

 

"الترقية".. استراتيجية تنموية أم وهم جماعي؟

 

تُعدّ الترقية داخل سلاسل القيمة العالمية حجر الزاوية في استراتيجيات التنمية التي تروج لها المؤسسات الدولية وكثير من الأكاديميين. ويقصد بها قيام الشركات الموردة بالابتكار لتحسين الإنتاج، أو تصنيع منتجات جديدة، أو تولي مهام أكثر تعقيداً داخل السلسلة، أو دخول أسواق تصدير أوسع وأكثر ربحية.

 

لكن من يتحكم فعلياً في هذه السلاسل؟

 

الشركات القائدة هي من تحدد ما يُنتَج، وكيف يُنتَج، وبأي مواد، وتحت أي ظروف عمل، بل وحتى الأسعار التي يحصل عليها الموردون.

 

ورغم وجود حالات ناجحة للترقية، فإن تحويلها إلى وصفة تنموية عامة هو – بحسب سيلوين – مغالطة تركيبية: أي افتراض أن ما ينجح في شركة أو قطاع يمكن أن ينجح للجميع، وهو افتراض لا يصمد أمام الواقع.

 

 

كيف يُستغَل العمال داخل سلاسل القيمة العالمية؟

 

في كتابهما، يوضح المؤلفان أن التوسع في سلاسل القيمة العالمية ارتكز على خلق أكبر طبقة عاملة في تاريخ البشرية، لكن في ظروف عمل شديدة الاستغلال.

 

العمال في هذه السلاسل يُستغلون عملياً من جهتين في آن واحد:
 

- صاحب العمل المباشر

الشركة القائدة التي تستحوذ على جزء من فائض القيمة

 

يتقاضى العمال أجوراً تقل عن القيمة الحقيقية لما ينتجونه، فيما يُستحوذ على الفائض كأرباح. وكما شرح كارل ماركس، هنا يكمن سرّ تراكم رأس المال.

 

وفي كثير من السلاسل، يصل الاستغلال إلى حد الإفقار، حيث يحصل العمال على أجور أدنى من الحد الأدنى للمعيشة.

 

ترقية هنا.. وتراجع هناك

 

الترقية في مكان ما غالباً ما تعني التدهور في مكان آخر.

 

في تسعينيات القرن الماضي، دخل منتجو القهوة في فيتنام السوق العالمية بقوة، ما أدى إلى انهيار أسعار القهوة عالمياً.

 

ووفقاً لمنظمة القهوة الدولية، تسبّب ذلك في انخفاض دخل المزارعين، وهجر الأراضي، وخسارة الوظائف في دول مثل الكاميرون، وإثيوبيا، ونيكاراغوا، والسلفادور.

 

أما ، التي تُقدَّم كنموذج ناجح للترقية الصناعية، فقد كان لصعودها وجه آخر: نزع التصنيع في دول مثل البرازيل والأرجنتين، وتحولها إلى الاعتماد على صادرات أولية محدودة.

 

في البرازيل، على سبيل المثال، أدت زراعة فول الصويا إلى إزاحة محاصيل غذائية أساسية، ما ساهم في ارتفاع الأسعار، ووصول 33 مليون برازيلي إلى حافة الجوع عام 2022.

 

سلاسل القيمة.. وكارثة

 

الانتشار الجغرافي للإنتاج ضمن سلاسل القيمة يتطلب بنية تحتية ضخمة: موانئ، مطارات، طرق، سكك حديدية، شبكات رقمية، ومراكز بيانات.

 

والنتيجة؟ سوق عالمية متضخمة واستهلاك متزايد للموارد.

 

ارتفعت البصمة المادية العالمية – أي إجمالي المواد الخام المستخرجة لتلبية الاستهلاك النهائي – بنسبة 113% بين عامي 1990 و2017، من 43 إلى 92 مليار طن.

 

ومن المتوقع أن تصل إلى 190 مليار طن بحلول عام 2060.

 

التكنولوجيا والتجارة.. والصراع الجيوسياسي

 

سلاسل القيمة العالمية ليست اقتصادية فقط، بل جيوسياسية بامتياز.

 

فمنذ خمسينيات القرن الماضي، موّلت الولايات المتحدة تطوير تقنيات مثل الرادار، والحواسيب، وأشباه الموصلات، والإنترنت. ثم استخدمتها شركاتها لاحقاً لنقل الإنتاج إلى دول ذات عمالة رخيصة وقابلة للاستغلال.

 

كانت الصين الوجهة الأبرز، لكن الدولة الصينية استغلت اندماجها في هذه السلاسل لتتحول من "مصنع العالم" إلى منافس مباشر للهيمنة التكنولوجية الأميركية.

 

وردّت واشنطن – من أوباما إلى ترامب وبايدن ثم ترامب مجدداً – بسياسات تعريفات جمركية وضوابط تصدير تهدف، كما يقول أحد المسؤولين الأمريكيين، إلى "خنق الصناعة التكنولوجية الصينية بنيّة القتل".

 

تفكيك سلاسل القيمة الرأسمالية

 

الترقية داخل سلاسل القيمة تحدث فعلاً، لكنها ليست حلاً تنموياً عاماً. بل تقوم على الاستغلال، وتُنتج تفاوتاً حاداً، وتدميراً بيئياً، وصراعات دولية.

 

سلاسل القيمة العالمية، في جوهرها، هي سلاسل قيمة رأسمالية: آليات لتمديد قدرة رأس المال على استغلال العمل ونهب الطبيعة عبر الحدود، وهي التي تفسر التركز الهائل للثروة في أماكن مثل وادي السيليكون، مقابل أجور متدنية في الصين وغيرها.

 

بدلاً من الاحتفاء غير النقدي بتوسع هذه السلاسل، يدعو المؤلفان إلى التفكير في نماذج بديلة: اقتصاد ديمقراطي، وإنتاج يلبّي حاجات الإنسان ويحترم البيئة، لا منطق الأعمى.

 

وختاما، لم يعد السؤال: كيف نندمج أكثر في سلاسل القيمة؟ بل: كيف نتحرر منها؟

 

المصدر: منصة "إل إس إي يو كيه"

ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة ارقام ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من ارقام ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.

قد تقرأ أيضا