لطالما كان الجشع محفزاً أساسياً للابتكار في الأنظمة الرأسمالية. ففي أثناء حمى الذهب في كاليفورنيا، ابتكر المنقّبون مدافع مائية هائلة لتفجير التلال بحثاً عن المعدن النفيس. وفي فقاعة الرهن العقاري الأمركية في أوائل الألفية الجديدة، شيّدت البنوك آلات معقدة ومتهورة لتوريق القروض كي يستمر الإفراط في الإقراض.
لفترة من الزمن، بدا كلا النموذجين وكأنهما إنجاز هندسي: الأول لتسخير طاقة إضافية، والثاني لإغراق سوق الإسكان بالقروض الرخيصة. واليوم، تعود القصة نفسها بصيغة جديدة: الطاقة والائتمان أصبحا أكبر قيدين أمام طفرة الذكاء الاصطناعي. ومرة أخرى، تتدفق الأفكار "الخلاقة".
الطاقة.. عنق الزجاجة
أزمة الطاقة هي القيد الأكثر ملموسية — اختناق حرفي في الشبكات الكهربائية. فمزوّدو الكهرباء يواجهون طلباً هائلاً لتشغيل رقائق الذكاء الاصطناعي داخل مراكز بيانات عملاقة. مشغّل شبكة الكهرباء في تكساس (ERCOT) تلقى طلبات تفوق 226 غيغاواط من الطاقة بحلول عام 2030، أي ما يقرب من مئة ضعف ما وافق عليه عام 2022.
الرئيس الأميركي دونالد ترامب انضم إلى الأصوات القلقة من أن الطلب النهم لمشاريع الذكاء الاصطناعي سيرفع أسعار الكهرباء، وتعهد في 13 يناير/كانون الثاني بأن المواطنين لن "يدفعوا الفاتورة"، بل ستتحملها شركات التكنولوجيا الكبرى مثل مايكروسوفت.
رأس المال.. القيد الأقل وضوحاً والأكثر خطورة
في البداية، لم يكن التمويل مشكلة كبيرة، حين كانت شركات التكنولوجيا العملاقة تموّل استثماراتها الضخمة في الذكاء الاصطناعي من تدفقاتها النقدية الخاصة. لكن مع ازدياد الإنفاق الرأسمالي كنسبة من هذه التدفقات، باتت تلك الشركات بحاجة إلى مصادر تمويل جديدة.
في الوقت نفسه، غرقت البنوك في إقراض مطوري مراكز البيانات الأصغر والأقل جدارة ائتمانية، ما اضطرها إلى "تقطيع" هذه القروض وإعادة هيكلتها لإخراجها من ميزانياتها العمومية.
ابتكارات تخفف الضغط
في أسواق الطاقة والائتمان معاً، ظهرت ابتكارات تهدف إلى تخفيف الضغط عن الشبكات الكهربائية وعن الميزانيات العمومية. الابتكار في التمويل يبدو أكثر إثارة للقلق من نظيره في الطاقة، لكن كليهما يشترك في نتيجة واحدة مشكوك فيها: ضخ المزيد من الهواء في فقاعة الذكاء الاصطناعي.
إيلون ماسك
عندما يتعلق الأمر بالخروج عن المألوف، يبقى إيلون ماسك الاسم الأبرز. قبل أن تدخل شركته xAI سباق الذكاء الاصطناعي، كانت شركات التكنولوجيا الكبرى تربط مراكز بياناتها مباشرة بشبكة الكهرباء الأمريكية.
لكن مع تزايد الطلب، طال انتظار الحصول على وصلات كهرباء جديدة، وكان ماسك في سباق مع الزمن للحاق بمنافسين مثل "أوبن أيه آي".
ابتكر ماسك ما أطلق عليه مركز الأبحاث "سيمي أناليسيز" SemiAnalysis نموذج “إحضار طاقتك بنفسك". وعندما بنت "إكس أيه آي" xAI في عام 2024 تجمعاً ضخماً من وحدات معالجة الرسوميات في ولاية تينيسي خلال أربعة أشهر فقط، لجأت حرفياً إلى نقل توربينات ومحركات غاز بالشاحنات. كان ذلك حلاً مؤقتاً، لكن مع وصول مدة انتظار الربط بالشبكة إلى خمس سنوات، يبدو أن هذا النموذج سيبقى.
طاقة خارج الشبكة.. بسرعة قياسية
مع تصاعد الطلب، أصبحت حلول “إحضار طاقتك بنفسك” أكثر جرأة. ففي الشهر الماضي، أعلنت شركة "بوم"Boom - المعروفة بتطوير طائرات فائقة السرعة — أنها ستزود شركة "كروزو" Crusoe المطورة لمراكز البيانات بـ29 توربيناً يعمل بالغاز الطبيعي، تعتمد على التقنية نفسها المستخدمة في محركات الطائرات.
كما تبيع شركة فارتسيلا الفنلندية، المعروفة بمحركات السفن السياحية، محركات مخصصة لمراكز البيانات. وقد تُستغل أيضاً تقنيات واعدة أخرى مثل خلايا الوقود.
وبحسب تقديرات غولدمان ساكس، فإن ما يصل إلى ثلث السعة الإضافية لمراكز البيانات في الولايات المتحدة — أي نحو 25 غيغاواط — سيُبنى خارج الشبكة خلال السنوات الخمس المقبلة، ما يسمح بإنشاء مراكز بيانات بوتيرة أسرع.

هندسة مالية على طريقة ماسك
لا يقتصر الابتكار على الطاقة. ففي عالم المال، يقود ماسك المسار نفسه إلى جانب مارك زوكربيرغ (ميتا) ولاري إليسون (أوراكل).
فبالتوازي مع جولة تمويل بقيمة 20 مليار دولار أتمتها "إكس أيه آي" في أوائل يناير/كانون الثاني، ستقوم الشركة باستئجار وحدات معالجة رسومية من إنفيديا بقيمة 5.4 مليار دولار عبر شركة ذات غرض خاص (SPV) أنشأتها شركة "فالور إيكويتي بارتنرز" Valor Equity Partners، الداعم التاريخي لماسك.
ميتا وأوراكل استخدمتا بدورهما شركات الغرض الخاص لتخفيف الضغط عن ميزانياتهما العمومية.
فقد جمعت ميتا 30 مليار دولار لمركز بيانات ضخم في لويزيانا يحمل اسم "هايبريون" Hyperion، عبر مزيج معقد من رأس المال الخاص والسندات والضمانات. والمفارقة أن الشركة ذات الغرض الخاص للمشروع سُمّيت باسم حلوى محلية في نيو أورلينز: "البيجنيه".
أما أوراكل، فيُقال إنها جمعت 66 مليار دولار من تمويلات خارج الميزانية العمومية لدعم "أوبن إيه آي"، التي أثبتت حتى الآن أنها أفضل في إبرام الصفقات منها في تحقيق الأرباح.
شهية البنوك.. وحدودها
حجم هذه الصفقات وتركيزها في أيدي عدد محدود من المقترضين يسبب "عسراً هضمياً" للقطاع المصرفي الخاضع لتنظيم صارم. فالبنوك لا تمانع في ترتيب إصدارات سندات للشركات العملاقة ذات الأرباح المرتفعة، لكنها تجد صعوبة متزايدة في الاحتفاظ بقروض موجهة لأطراف أقل جدارة ائتمانية.
وهنا تظهر شركات الائتمان الخاص، الممولة غالباً من شركات تأمين على الحياة، لتمنح قروضاً مباشرة لمطوري مراكز البيانات أو لشراء شرائح مخصصة من محافظ قروض الذكاء الاصطناعي لدى البنوك.
وتشير تقديرات مورغان ستانلي إلى أن تمويل مراكز البيانات عبر الائتمان الخاص قد يصل إلى 800 مليار دولار بين الآن وعام 2030 — أي نحو نصف إجمالي الاقتراض المتوقع في طفرة مراكز البيانات. ومع ذلك، فإن كثيراً من العاملين في هذا المجال "يرتجلون الطريق" أثناء السير.
أسواق الائتمان
الابتكار يستحق التحية، لكن الحذر واجب. فالمخاطر ليست متساوية. في أسواق الطاقة، يؤدي الاعتماد على طاقة خارج الشبكة إلى تكاليف أعلى ومخاطر تشغيلية أكبر مقارنة بالاتصال المباشر بالشبكة، لكن آثاره الجانبية قد تكون إيجابية إذا أسهم في تطوير طرق جديدة لتوليد الطاقة.
أما في أسواق الائتمان، فرغم أنها توفر مصدراً ضرورياً للتمويل بعدما أصبح الاستثمار في الذكاء الاصطناعي غير قابل للتمويل الذاتي بالكامل، فإن آثارها الجانبية قد تكون خطيرة. فعدد محدود فقط من الشركات يحقق أرباحاً موثوقة من الذكاء الاصطناعي. وإذا لم يتغير ذلك، فقد نشهد انهياراً ائتمانياً يهز النظام المالي والاقتصاد الأوسع.
وعندها، سيحتاج العالم إلى نوع جديد من الابتكار — لا لضخ المزيد من الهواء.. بل لالتقاط شظايا الانفجار.
المصدر: ذي إيكونوميست
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة ارقام ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من ارقام ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
