مايك دولان *
كان كبح جماح ارتفاع الدولار الخيالي، بنحو 50% على مدى خمسة عشر عاماً، ركيزة أساسية في أجندة ترامب الاقتصادية. والآن، بعد أن تلاشت النجاحات المبكرة، يبدو أن هذا المسار فقد زخمه. وتُرجح الأسواق أن يكون انخفاض العام الماضي، بنسبة 7%، هو النهاية.
ومع توجه الرئيس الأمريكي إلى المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، وتزامن ذلك مع ذكرى تنصيبه الثاني، يتضح أن المزاج العام تجاه «العملة الخضراء» قد تغيّر، حتى بين بعض أشد المتشائمين بشأنها في العام الماضي.
الأسباب في جوهرها، ليست معقّدة. والمخاوف التي سادت مطلع العام الماضي من هروب رؤوس الأموال الأجنبية من الأسواق الأمريكية، على خلفية الاضطرابات التجارية والسياسات الاقتصادية والتوترات الجيوسياسية، لم تتحقق فعلياً. كما تلاشت موجة التحوط من تقلبات العملات. بل على العكس، تسارع النمو الاقتصادي الأمريكي، واحتفظ الدولار، إلى حدّ كبير، بميزة فارق أسعار الفائدة.
وحتى حملة ترامب المتجددة بشأن استقلالية الفيدرالي لم تُحدث صدمة كبيرة في أسواق الصرف، ولم تغيّر قناعات المستثمرين بشأن المسار الطويل الأجل للسياسة النقدية. والنتيجة أن الدولار، بعد أسوأ أداء له في النصف الأول من أي عام منذ اعتماد أسعار الصرف العائمة، استعاد توازنه منتصف 2025، وارتفع بنحو 2% عن أدنى مستوياته. وعند قياس الأداء بصورة أشمل، تأخذ في الحسبان الانكشاف التجاري الواسع للولايات المتحدة وديناميات التضخم، يتبيّن أن مؤشر سعر الصرف الحقيقي الفعّال للدولار تراجع بنحو 7% فقط من أصل مكاسب بلغت 47% بين 2011 ونهاية 2024.
لقد كانت المكاسب المتواصلة للدولار خلال العقد الماضي مدفوعة، أساساً، بفترة طويلة من تفوق الاقتصاد الأمريكي وأسواقه المالية على نظرائها في الاقتصادات المتقدمة الأخرى. ويبدو أن هذا التفوق عصيّ على التآكل، حتى في ظل نهج ترامب المربك داخلياً وخارجياً.
فقد أنهى الاقتصاد الأمريكي العام بنمو سنوي يفوق 4%، ورفع البنك الدولي توقعات النمو إلى 2.2% في 2026، أي أكثر من ضعف المتوقع لمنطقة اليورو أو اليابان. كما تشير التقديرات إلى أن أرباح شركات مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» ستنمو بأكثر من 15% العام المقبل، أي أسرع بنحو أربع نقاط مئوية من نظيرتها في مؤشر «ستوكس 600» الأوروبي.
ومع عودة هذه الأفضلية الأمريكية، استقرت توقعات الدولار. فقد أظهر استطلاع لرويترز هذا الشهر أن التوقع الوسيط لسعر صرف اليورو مقابل الدولار بعد عام يبلغ 1.20، ما يعني ضعفاً إضافياً محدوداً للدولار لا يتجاوز 3%.
يرى كيت جاكس، كبير استراتيجيي العملات في «سوسيتيه جنرال»، أن السيناريو الواقعي الوحيد لعودة بيئة سلبية للدولار يتمثل في تصحيح حاد في مؤشرات الأسهم الأمريكية يكبح النمو. غير أن هذا القلق، الذي كان سائداً معظم العام الماضي، يبدو اليوم بعيد المنال. أما جورج سارافيلوس من «دويتشه بنك»، أحد أبرز المتشائمين حيال الدولار في 2025، فتغيرت نبرته. ورغم تمسكه بنظرة سلبية طويلة الأجل، مستنداً إلى تآكل بعض عناصر التفوق الاقتصادي وميزة الفائدة، يعتقد أن أي تراجع جديد يتطلب محفزاً مختلفاً. ويقول لعملائه: «قناعتنا السلبية تجاه الدولار أضعف مما كانت عليه العام الماضي».
فهل كان ذلك كل شيء؟ هل انتهى «فك الارتباط الكبير» للدولار الذي توقعه كثيرون في فريق ترامب، نتيجة حرب تجارية حمائية وضغوط سياسية على الاحتياطي الفيدرالي؟
ترتكز السردية الاقتصادية لترامب على أن العجوزات التجارية الأمريكية المتفاقمة ناجمة عن ممارسات غير عادلة من الخارج، وأن فوائض الادخار الأجنبية أُعيد تدويرها ببساطة في الأسواق الأمريكية، ما أغنى «وول ستريت» وأصحاب الأصول، وأضعف الصناعة والوظائف المحلية عبر إبقاء الدولار عند مستويات مبالغ فيها.
صحيح أن موجة الرسوم الجمركية وتراجع الدولار في ربيع العام الماضي بدت وكأنها تسير وفق الخطة، مع تضرر الأسواق الأمريكية وارتفاع عدم اليقين. لكن حزمة سياسات ترامب الأوسع، من التحفيز المالي وتخفيف القيود التنظيمية، إلى ركوب موجة الذكاء الاصطناعي، أعادت إشعال النمو ورفعت أسهم «وول ستريت»، لتوقف نزيف الدولار. وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل يمكن الجمع بين كل هذه السياسات دون تناقض؟ أم أن ضعف الدولار يتوقف تلقائياً عندما ينتعش الاقتصاد والأسهم؟
* محرر أسواق المال في «رويترز»
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة صحيفة الخليج ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من صحيفة الخليج ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
