في عالم يتغير بوتيرة غير مسبوقة، تتشابك فيه التحولات التقنية والاقتصادية والبيئية والجيوسياسية، لم يعد التفكير في المستقبل خياراً أو ترفاً فكرياً، بل أصبح ضرورة استراتيجية تفرضها طبيعة المرحلة المقبلة، فالتغيرات المتسارعة لم تعد تتيح للحكومات الاكتفاء بإدارة الحاضر، بل تفرض عليها استباق التحولات وصياغة مسارات تنموية قادرة على الصمود والتكيف والاستمرار.
وفي هذا السياق، برزت دولة الإمارات العربية المتحدة كنموذج متقدم في تبني التفكير المستقبلي بوصفه منهجاً متكاملاً لصناعة القرار، وأداة لتحويل التحديات العالمية إلى فرص تنموية طويلة الأمد.
انطلاقاً من هذا النهج، لم تنظر الدولة إلى المستقبل باعتباره امتداداً خطياً للحاضر، بل كمساحة مفتوحة لإعادة تعريف النمو والتنمية والريادة، وأسهم هذا الفهم في بناء سياسات تستند إلى الرؤية بعيدة المدى، وتوازن بين الطموح والواقعية، وبين الاستباق والجاهزية، بما يجعل الدولة قادرة على التعامل مع عالم يتسم بعدم اليقين وتعدد السيناريوهات.
ويبرز محور الآفاق المستقبلية والفرص القادمة كأحد المحاور الرئيسية التي تناقشها القمة العالمية للحكومات 2026، تأكيداً لأهمية الانتقال من إدارة التحديات الآنية إلى صناعة المستقبل بمنهجية واضحة.
نموذج عملي
تأتي تجربة دولة الإمارات في هذا المحور بوصفها نموذجاً عملياً يعكس قدرة الحكومات على قراءة التحولات العالمية، وبناء سياسات مرنة قادرة على التكيف مع متغيرات معقدة، وتدعم الجاهزية الوطنية لعقود مقبلة.
وتم اعتماد استشراف المستقبل بوصفه إطاراً مؤسسياً موجهاً لصناعة السياسات العامة، وليس مجرد نشاط بحثي أو تنظيري، فقد جرى دمج أدوات الاستشراف في العمل الحكومي، بحيث أصبحت قراءة الاتجاهات العالمية، وتحليل المخاطر والفرص، وبناء السيناريوهات المحتملة، جزءاً أصيلا من عملية اتخاذ القرار، وأسهم هذا النهج في الانتقال من التخطيط التقليدي إلى التخطيط القائم على التوقع والاستباق.
التحولات الاقتصادية
مكّن هذا التوجه المؤسسات الحكومية من التعامل مع التحولات الاقتصادية والتقنية والاجتماعية بمرونة أعلى، ومن تحويل حالة عدم اليقين إلى مساحة للابتكار والتجريب، ومن خلال تطوير نماذج مستقبلية متعددة، استطاعت الدولة تقليل المخاطر المحتملة وتعظيم الاستفادة من الفرص الناشئة، بما يعكس فهماً عميقاً لطبيعة التحول العالمي في القرن الحادي والعشرين.
وتتعامل دولة الإمارات مع التحولات العالمية بوصفها بوابة لفرص اقتصادية جديدة، وليس مصدراً للتهديد أو الانكماش، فالتغيرات في أنماط الإنتاج وسلاسل الإمداد والتجارة العالمية والتكنولوجيا والطاقة أعادت تشكيل خريطة الاقتصاد الدولي، وفتحت مجالات واسعة للاستثمار في قطاعات لم تكن مطروحة قبل سنوات قليلة.
وفي هذا السياق، وجهت الدولة استثماراتها نحو الاقتصاد الرقمي والتقنيات المتقدمة والطاقة النظيفة والفضاء والاقتصاد الإبداعي باعتبارها محركات رئيسية للنمو المستقبلي.
منظومة متنوعة
أسهم الانفتاح الاقتصادي وبناء الشراكات الدولية وتوسيع شبكة الاتفاقيات الاقتصادية الشاملة، في تدعم قدرة الإمارات على الاندماج في الاقتصاد العالمي الجديد، ولم يعد الاقتصاد الإماراتي قائماً على ميزة واحدة أو قطاع واحد، بل على منظومة متنوعة قادرة على توليد فرص جديدة باستمرار، والتكيف مع التحولات الهيكلية في الاقتصاد العالمي.
ورغم تسارع التطور التقني بقي الإنسان في قلب الرؤية المستقبلية لدولة الإمارات، فقد أدركت الدولة أن التكنولوجيا، مهما بلغت من تطور، لا تصنع المستقبل بمفردها، بل يصنعه الإنسان القادر على توظيفها بوعي ومسؤولية. ومن هنا ارتبط استشراف المستقبل في التجربة الإماراتية بالاستثمار في القدرات البشرية، وبناء مهارات المستقبل، ودعم التفكير الابتكاري وتمكين الأفراد من لعب دور فاعل في صياغة الغد.
المرونة والثقة
انعكس هذا التوجه في سياسات تعليمية وتدريبية تركز على التعلم المستمر، وتنمية المهارات الرقمية، وتعزيز ريادة الأعمال ودعم الابتكار الاجتماعي، الأمر الذي أسهم في بناء مجتمع يتمتع بالمرونة والثقة، وقادر على التكيف مع التحولات المهنية والاقتصادية وتحويل التغيرات السريعة إلى فرص للنمو الفردي والجماعي.
ولم تكتف دولة الإمارات برسم رؤى مستقبلية طموحة، بل عملت على ترجمتها إلى منظومات جاهزية وطنية قابلة للاستمرار عبر الأجيال، فقد جرى تطوير بنى تحتية ذكية، وأطر تشريعية مرنة، ومؤسسات قادرة على التعلم والتجديد، بما يضمن استدامة السياسات وعدم ارتباطها بمرحلة زمنية محددة أو ظرف اقتصادي معين.
إدارة المخاطر
في مواجهة التحديات العالمية، عززت الدولة قدرتها على إدارة المخاطر، وبناء المرونة الاقتصادية والمجتمعية، والاستثمار في الأمن الغذائي والمائي، وحماية البيئة وضمان استدامة الموارد، وأصبح مفهوم الجاهزية جزءاً لا يتجزأ من الرؤية المستقبلية، بما يضمن قدرة الدولة على التعامل مع الأزمات والتحولات دون فقدان التوازن أو المسار التنموي.
وبرز الابتكار والمرونة بوصفهما ركيزتين أساسيتين في بناء المستقبل الإماراتي، فقد عملت الدولة على خلق بيئة تشريعية وتنظيمية تسمح بتجربة الحلول الجديدة وتدعم التحول السريع، وتشجع القطاعين العام والخاص على تبني نماذج عمل مبتكرة، وأسهم هذا النهج في دعم قدرة الدولة على استيعاب التغيرات وتسريع الانتقال نحو قطاعات المستقبل.
تمكين الابتكار
أسهم الاستثمار في البحث والتطوير، ودعم المشاريع الناشئة، وتمكين الابتكار الحكومي في تحويل الأفكار إلى حلول عملية، قادرة على إحداث أثر اقتصادي واجتماعي ملموس، وأصبحت المرونة المؤسسية إحدى السمات الأساسية للنموذج الإماراتي في إدارة المستقبل.
وتفتح المرحلة المقبلة أمام دولة الإمارات آفاقاً واسعة في مجالات لم تكن مطروحة قبل عقد من الزمن، فالتقدم في الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحيوية والاقتصاد الأخضر واستكشاف الفضاء، يعيد رسم حدود الممكن، ويمنح الدول المستعدة فرصة للريادة العالمية، وفي هذا المشهد، تواصل الإمارات بناء موقعها كدولة قادرة على تحويل الابتكار إلى قيمة اقتصادية واجتماعية وعلى استثمار المستقبل قبل أن يتحول إلى واقع مفروض.
آفاق مستقبلية
إن تجربة دولة الإمارات في استشراف الآفاق المستقبلية وصناعة الفرص القادمة تؤكد أن المستقبل لا ينتظر، بل يصنع برؤية واضحة وإرادة سياسية وسياسات مرنة تستند إلى الإنسان والتكنولوجيا معاً، فحين تمتلك الدول القدرة على التفكير خارج الأطر التقليدية، وتبني جاهزيتها على أسس مستدامة، تتحول التحديات إلى فرص، ويصبح المستقبل امتداداً طبيعياً لمسار تنموي واثق.
وهكذا تواصل الدولة ترسيخ مكانتها كنموذج عالمي لدولة لا تكتفي بمواكبة المستقبل، بل تسهم في صياغته وتفتح آفاقاً جديدة للأجيال القادمة في عالم تتسارع فيه التغيرات وتزداد فيه الحاجة إلى رؤى جريئة تقود نحو الغد بثقة واستباق.
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة صحيفة الخليج ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من صحيفة الخليج ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
