في ظل عالم يشهد تسارعاً غير مسبوق في وتيرة التحولات الاقتصادية والتكنولوجية والاجتماعية، برزت دولة الإمارات العربية المتحدة نموذجاً متقدماً في تبني الحوكمة الحديثة والقيادة الفاعلة بوصفهما ركيزتين أساسيتين لصناعة الاستقرار وضمان استدامة التنمية، ولم يعد التحدي أمام الحكومات يقتصر على إدارة الملفات اليومية، بل امتد ليشمل القدرة على إدارة المتغيرات ذاتها واستشراف المستقبل والتعامل مع حالة عدم اليقين بثقة ومرونة.
في قلب هذا المشهد، رسخت القيادة الإماراتية نهجاً يقوم على الرؤية بعيدة المدى، والقدرة على التكيف واستحضار المسؤولية في كل قرار، مع الحفاظ على علاقة متينة مع المجتمع قوامها الثقة والشفافية. وانطلاقاً من إدراكها بأن الحوكمة لم تعد مجرد تشريعات أو هياكل تنظيمية، بل منظومة متكاملة تعكس قدرة الدولة على التنظيم والاستجابة والاستشراف، برز هذا الملف كأحد المحاور الرئيسية التي تسلط عليها الأضواء في القمة العالمية للحكومات 2026، بوصفها منصة دولية تستعرض من خلالها الإمارات تجربتها الرائدة وتناقش مستقبل الحوكمة عالمياً.
زمن التحولات العالمية
في مواجهة الأزمات المتلاحقة التي شهدها العالم خلال السنوات الأخيرة، من تداعيات صحية واقتصادية إلى تحولات تقنية عميقة، أعادت القيادة الحكومية في دولة الإمارات تعريف مفهوم القيادة العامة، لتتجاوز الإدارة التقليدية إلى نموذج ديناميكي يقوم على المعرفة والتحليل والتواصل الفعال. وأصبح القائد الحكومي في الإمارات مطالباً بأن يقود بعين على الحاضر وأخرى على المستقبل، مستنداً إلى البيانات والمعلومات بوصفها أداة رئيسية لاتخاذ القرار.
وقد مكن الاستثمار المبكر في البنية الرقمية الحكومة الإماراتية من توظيف التقنيات الحديثة، مثل الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة والنماذج التوقعية لتحسين جودة القرار، ودعم القدرة على تحليل المخاطر، واستشراف التغيرات قبل وقوعها. وأسهم هذا التوجه في ترسيخ مفهوم الحكومة الاستباقية التي لا تنتظر الأزمات بل تعمل على التنبؤ بها والاستعداد لها.
أزمات متلاحقة
مع تسارع الأزمات، برزت أهمية التواصل الحكومي الشفاف بوصفه أحد أعمدة القيادة الفعالة في دولة الإمارات، فقد أثبتت التجربة أن وضوح المعلومة، وسرعة إيصالها، وبناء خطاب تفاعلي مع المجتمع، عوامل أساسية في تعزيز الثقة وضمان تماسك الجبهة الداخلية وهكذا انتقلت القيادة من كونها سلطة إدارية إلى شراكة مجتمعية، ومن إدارة للموارد إلى مسؤولية تفاعلية تجمع الدولة بالمجتمع في مواجهة التحديات.
مؤسسات مرنة
أدركت دولة الإمارات العربية المتحدة أن استدامة القيادة الفعالة لا تنفصل عن وجود مؤسسات حكومية مرنة قادرة على التكيف مع المتغيرات المتسارعة، فالأنظمة التقليدية مهما بلغت قوتها لم تعد كافية لمواكبة عالم سريع التحول، مما دفع الدولة إلى تبني نهج مستمر في تطوير الهياكل التنظيمية وتحديثها وتبسيط الإجراءات وتصفير البيروقراطية، ودعم كفاءة الأداء الحكومي.
وفي هذا الإطار شكل التحول الرقمي أحد أبرز محركات المرونة المؤسسية، حيث أسهمت الحكومة الرقمية والبوابات الذكية في تسريع تقديم الخدمات، وتحسين تجربة المتعاملين، وضمان استمرارية العمل الحكومي بكفاءة عالية.
كما عززت هذه التحولات قدرة المؤسسات على الاستجابة السريعة دون الإخلال بمبادئ المساءلة والحوكمة الرشيدة.
استجابة سريعة
تحتل الشفافية موقعاً محورياً في النموذج الإماراتي للحوكمة، باعتبارها ركيزة أساسية لبناء الثقة ودعم الاستقرار، فقد أسهمت مبادرات البيانات المفتوحة والتقارير الحكومية وتطوير قنوات التواصل مع المجتمع، في ترسيخ علاقة متوازنة بين المواطن والحكومة، قائمة على الوضوح والمساءلة، وهو ما انعكس إيجاباً على جذب الاستثمارات ودعم تنافسية الدولة.
الجاهزية الحكومية
لم تكتف دولة الإمارات العربية المتحدة بتطوير الأنظمة والمؤسسات، بل أولت اهتماماً بالغاً ببناء القيادات الحكومية القادرة على إدارة التحولات المستقبلية، فالقيادة المسؤولة تبدأ من الإعداد والتأهيل، وهو ما تجسد في إطلاق برامج وطنية متقدمة لتأهيل القيادات وتحفيز مهاراتهم في مجالات التفكير الاستراتيجي، وإدارة الأزمات والذكاء العاطفي والتواصل المؤسسي.
وقد أسهم هذا الاستثمار برأس المال البشري في بناء قيادات قادرة على اتخاذ قرارات متوازنة تراعي المصلحة العامة، وتستند إلى قيم المسؤولية والنزاهة، كما برزت القيادة الأخلاقية بوصفها أحد أبرز ملامح التجربة الإماراتية، حيث يشكل الالتزام بالقيم ركيزة أساسية في العمل الحكومي، وتقوية ثقة المجتمع في السياسات والقرارات.
تحديث مستمر
على المستوى الدولي، انعكس هذا النهج القيادي في تدعيم حضور دولة الإمارات كشريك فاعل في القضايا العالمية، من خلال التعاون الإقليمي والدولي، وتبادل المعرفة والخبرات، والمشاركة في صياغة الحلول للتحديات العابرة للحدود، مثل الأمن السيبراني والتغير المناخي والتنمية المستدامة.
لا تكتمل منظومة الحوكمة الحديثة في دولة الإمارات من دون التركيز على بناء الثقة المجتمعية وترسيخ القدرة على التكيف المستدام، فالتكيف ليس استجابة ظرفية، بل استراتيجية طويلة الأمد تتجدد مع كل مرحلة من مراحل التطور. ومن هذا المنطلق تبنت الدولة وحدات متخصصة في الاستشراف المستقبلي، تعمل على رصد الاتجاهات العالمية وصياغة سياسات قائمة على رؤية استباقية.
ويتطلب ترسيخ الثقة أن يشعر كل فرد بأنه جزء فاعل من مسيرة الدولة، وأن السياسات الحكومية تعكس احتياجاته وتقدر مشاركته، لذلك دعمت الإمارات برامج تمكين الشباب وزيادة مشاركة المرأة في مواقع صنع القرار ودعم الفئات المختلفة، وفتحت قنوات تواصل مستمرة مع المجتمع، بما يحفز الشمولية ويقوي التلاحم الوطني.
تحفيز الثقة
كما تحولت التكنولوجيا إلى إحدى أهم أدوات تحفيز الثقة، ليس فقط من خلال رقمنة الخدمات، بل عبر الاستخدام المسؤول والأخلاقي للبيانات وضمان الخصوصية والأمان وتقديم خدمات ذكية تعكس قرب الحكومة من المجتمع، الأمر الذي أسهم هذا التوجه في ترسيخ الانتماء الوطني، وجعل العلاقة بين الدولة والمجتمع أكثر متانة واستدامة.
لقد أرست دولة الإمارات العربية المتحدة نموذجاً متقدماً في الحوكمة والقيادة الفاعلة، يقوم على رؤية استشرافية ومؤسسات مرنة وقيادات مسؤولة وشراكة حقيقية مع المجتمع، ومع تزايد التحديات العالمية، يتضح أن نجاح الحكومات لم يعد رهناً بحجم الموارد، بل بقدرتها على بناء نماذج قيادية تشاركية، وتطوير أنظمة قابلة للتكيف، وترسيخ الثقة بوصفها رأس المال الأهم.
وهكذا، تؤكد التجربة الإماراتية أن الحوكمة والقيادة ليستا مجرد مهام إدارية، بل منظومة قيم ومعرفة ورؤية، تستند إلى الثقة وتتغذى من المشاركة، وتستمد قوتها من القدرة على التكيف مع عالم دائم التغير، ومن خلال هذه الركائز تواصل دولة الإمارات عبورها بثبات نحو المستقبل، مقدمة نموذجاً يحتذى به في إدارة الدولة وصناعة الاستقرار.
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة صحيفة الخليج ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من صحيفة الخليج ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
