في أكبر تجمع سنوي من نوعه على مستوى العالم، بدأت دبي منذ عام 2013 رحلة تطوير العمل الحكومي واستباق التحديات العالمية، عبر منصة دورية تلتقي فيها الدول، والمنظمات الأممية، والمؤسسات الدولية، وخبراء الاقتصاد والتكنولوجيا، والقطاع الخاص في حدث واحد هو «القمة العالمية للحكومات».
هذه القمة، التي تأسست تجسيداً لرؤية قيادية طموحة في الإمارات، حوّلت الحديث عن مستقبل الحكومات من شأن نظري يُتداول في أروقة مراكز الأبحاث أو تقارير المؤسسات الدولية المغلقة، إلى نقاش مفتوح وعصف ذهني تُصاغ ملامحه على الهواء مباشرة، في محاولة لإعادة تعريف الأدوار مع تسارع التحولات التكنولوجية والاقتصادية والجيوسياسية بوتيرة غير مسبوقة. والهدف، خدمة البشرية بأجندات معرفية واستراتيجية واسعة، وصياغة أسئلة عميقة ومحاولة الإجابة عنها بشكل جماعي يتجاوز حدود المألوف.
عند إطلاقها قبل أكثر من عقد، كانت الفكرة الجوهرية من القمة العالمية للحكومات تتمثل في «استشراف مستقبل العمل الحكومي»، في وقت بدأت فيه التحديات العابرة للحدود، من الأزمات المالية إلى التغير المناخي، ومن الثورات الرقمية إلى التحولات الديموغرافية، تفرض نفسها على الأجندات الوطنية والدولية على حد سواء.
غير أن ما ميّز الحدث عبر السنوات هو إدراك القائمين عليه أن مستقبل الحكومات لا يمكن صياغته من خلال منظور وطني ضيق، إنما يتطلب مقاربة عالمية تشاركية، تجمع الحكومات مع المنظمات الأممية والمؤسسات متعددة الأطراف والقطاع الخاص. ومن هنا، صُممت القمة لتكون «منصة جامعة» تطرح الأسئلة الكبرى التي تواجه البشرية، وتفتح المجال أمام نقاشات صريحة حول كيفية إدارتها. ومع مرور الوقت، تحولت القمة من حدث إقليمي ذي طموح عالمي إلى مؤسسة فكرية وسياسية دولية، باتت تحظى بمشاركة متزايدة من رؤساء الدول والحكومات، وقادة المنظمات الدولية الكبرى، ما عكس ثقة المجتمع الدولي بدورها وقدرتها على جمع أطراف متباينة حول طاولة واحدة.
الجغرافيا.. فاعل سياسي
لم يكن اختيار دبي مقراً دائماً لعقد القمة العالمية للحكومات تفصيلاً لوجستياً؛ بل جزء من معادلة سياسية وثقافية أوسع. فالإمارة التي بنت نموذجها التنموي على الانفتاح، والابتكار، وربط الشرق بالغرب، استطاعت أن تترجم هذا النموذج إلى دور سياسي ناعم، يتمثل في توفير مساحة محايدة للحوار الدولي.
وفي عالم تتزايد فيه الاستقطابات السياسية، وتتعثر فيه آليات العمل متعدد الأطراف، برزت دبي كأرضية مشتركة صلبة، يمكن أن يلتقي عليها الجميع، دول متقدمة ونامية، مؤسسات مالية دولية، منظمات أممية، وشركات تكنولوجية عملاقة. هذا الدور هو نتاج رؤية إماراتية استثمرت في بناء الثقة الدولية، وفي تقديم نفسها شريكاً موثوقاً في النقاشات العالمية حول المستقبل.
منصة جامعة
يتمثل أحد أبرز أوجه القمة العالمية للحكومات في الطيف الواسع من المشاركين الذين تجمعهم دبي سنوياً. وستشهد فعاليات هذا العام حضور أكثر من 100 منظمة دولية وإقليمية ومؤسسة عالمية وأكاديمية، ونخبة من صُناع القرار وقادة المنظمات الدولية من بينهم: كريستالينا جورجيفا رئيسة صندوق النقد الدولي، وماتياس كورمان الأمين العام لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، ومختار ديوب المدير العام لمؤسسة التمويل الدولية، وجاسم البديوي الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، وأحمد أبو الغيط الأمين العام لجامعة الدول العربية، وتوشيوكي أونوماو رئيس مجلس منظمة الطيران المدني الدولي (الإيكاو)، والدكتور خالد العناني المدير العام لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعالم والثقافة (اليونيسكو)، وغيرد مولر المدير العام لمنظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية (اليونيدو)، والدكتور سيدي ولد التاه رئيس بنك التنمية الإفريقي.
ويشارك في أعمال القمة الدكتور فهد التركي المدير العام ورئيس مجلس إدارة صندوق النقد العربي، وجيلبرت هونغبو الأمين العام لمنظمة العمل الدولية، والدكتور عبد الحميد الخليفة رئيس صندوق أوبك للتنمية الدولية، إلى جانب ممثلين عن منظمات ومؤسسات دولية كبرى، تشمل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، والبنك الدولي، والوكالة الدولية للطاقة المتجددة، ومنظمة الطيران المدني الدولي، والمفوضية السامية لشؤون اللاجئين، ومنظمة السياحة التابعة للأمم المتحدة، والمركز اللاتيني الأمريكي لإدارة التنمية، وغيرها من المنظمات متعددة الأطراف، بما يعكس إدراكاً دولياً متزايداً بأن الحدث بات مساحة مؤثرة في النقاش حول السياسات العالمية.
ولا يقتصر هذا الحضور على البُعد البروتوكولي؛ بل يُترجم إلى مشاركة فاعلة في جلسات حوار رفيعة المستوى، تتناول قضايا تمس صميم عمل هذه المؤسسات، من تمويل التنمية، إلى إدارة التحولات الاقتصادية، مروراً بالحوكمة الرشيدة، وبناء القدرات المؤسسية للدول.
الخطاب إلى التأثير
ما يميز القمة العالمية للحكومات عن غيرها من المنتديات والقمم الدولية الأخرى هو سعيها الدائم إلى تجاوز الخطاب النظري، والاقتراب من التأثير العملي. فالحوارات التي تُعقد على منصتها لا تُصاغ بوصفها كلمات للاستهلاك الإعلامي؛ بل كجزء من نقاشات استراتيجية تهدف إلى تبادل الخبرات، واستكشاف نماذج ناجحة، وتحديد مسارات عمل مستقبلية.
وتشمل هذه الحوارات مفاصل متعددة، أبرزها استشراف مستقبل الحكومات، حيث تُناقش أشكال الحكم الجديدة، وأدوار الدولة في عصر الذكاء الاصطناعي، وكيف يمكن للحكومات أن تكون أكثر مرونة واستجابة لتطلعات المجتمعات. كما تحظى التنمية المستدامة بمكانة مركزية في جدول أعمال القمة، وسط التحديات البيئية والمناخية التي باتت تشكل تهديداً وجودياً لكثير من الدول.
إعادة تعريف دور الدولة
في السنوات الأخيرة، أصبح الذكاء الاصطناعي أحد المحاور الأكثر حضوراً في أجندة هذا التجمع العالمي. ليجسد، إضافة إلى كونه أداة تقنية، قوة تحولية تعيد صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع. وتناقش القمة كيف يمكن للحكومات استخدام هذه التكنولوجيا لتحسين الخدمات العامة، وتعزيز الكفاءة، وصياغة سياسات أكثر دقة، وفي الوقت نفسه كيفية التعامل مع التحديات الأخلاقية والتنظيمية المرتبطة بها.
هذا النقاش لا ينفصل عن الأسئلة الأوسع حول آليات العمل، والتعليم، وسوق الوظائف، وكلها قضايا تفرض نفسها بقوة على الحكومات في مختلف أنحاء العالم، وتحتاج إلى مقاربات مشتركة تتجاوز الحدود الوطنية.
تمويل المستقبل
تحتل القضايا الاقتصادية موقعاً محورياً في أعمال القمة العالمية للحكومات، لا سيما في ظل عالم يشهد تقلبات مالية، وتباطؤاً في النمو في بعض المناطق، وتفاوتاً متزايداً في مستويات التنمية. ومن خلال مشاركة المؤسسات المالية الدولية، تتحول دبي خلال أيام الحدث إلى منصة لنقاش مستقبل الاقتصاد العالمي، وآليات تمويل التنمية، ودور الحكومات في دعم النمو الشامل. وتكتسب هذه النقاشات أهمية خاصة بالنسبة للدول النامية، التي تبحث عن نماذج جديدة للتنمية، وعن شراكات تُمكّنها من مواجهة تحديات الفقر، والبطالة، والبنية التحتية، وتصدّر أولويات التعاون الدولي.
تكريس الدور العالمي للقمة
تمثل دورة عام 2026 من القمة محطة مفصلية في مسيرتها التنموية، سواء من حيث حجم المشاركة، أو تنوع القضايا المطروحة وعمقها. فالدورة الجديدة تأتي في سياق دولي بالغ التعقيد، يتسم بتزايد التوترات الجيوسياسية، وتسارع التحولات التكنولوجية، وتفاقم التحديات المناخية والاقتصادية. وعليه، يمكن القول إن القمة العالمية للحكومات أضحت منصة ضرورية لإعادة فتح قنوات الحوار، وبحث سبل التعاون، وتبادل الرؤى حول كيفية إدارة عالم يشهد تحولات متسارعة تفوق قدرة كثير من الحكومات على التكيف التقليدي. وتعكس المشاركة الواسعة لقادة الدول والمنظمات الدولية في هذه الدورة إدراكاً جماعياً بأن الحوار لم يعد ترفاً دبلوماسياً؛ بل ضرورة.
قوة ناعمة
على مستوى أعمق، يمكن النظر إلى القمة العالمية للحكومات بصفتها واحدة من أبرز تجليات القوة الناعمة الإماراتية التي تقدم نفسها بصفتها منصة مفتوحة لتبادل الرؤى وتلاقي الأفكار، ومختبراً لتجريب نماذج جديدة في الحوكمة. هذا الدور يعزز مكانة الإمارات شريكاً دولياً موثوقاً، قادراً على جمع أطراف متباينة حول قضايا مشتركة، في وقت تتراجع فيه فاعلية كثير من الأطر التقليدية للعمل متعدد الأطراف.
وفي ظل التحديات غير المسبوقة التي تواجه البشرية جمعاء، من التغير المناخي إلى الثورة الرقمية، ومن التحولات الاقتصادية إلى الأزمات الجيوسياسية، تشكل القمة العالمية للحكومات مساحة نادرة للتفكير الجماعي، وبصمة في مستقبل البشرية، وآلية كفاح مستمرة لإعادة طرح الأسئلة الكبرى حول دور الدولة، وحدود السلطة، ومسؤولية الحكومات تجاه شعوبها.
ومن دبي، المدينة التي أعادت تعريف دور الجغرافيا في السياسة، يلتقي العالم ساعياً إلى كسر الحواجز، وبناء جسور الحوار، وصياغة رؤى مشتركة لمستقبل أكثر استدامة وازدهاراً.
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة صحيفة الخليج ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من صحيفة الخليج ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
