في لحظة عالمية تتسارع فيها التحولات وتتعقد فيها التحديات، لم تعد الحكومات تملك رفاهية الانتظار أو الاكتفاء بردود الأفعال، بل باتت مطالبة بإعادة التفكير في أدوارها وأدواتها ونماذج عملها. وبين أزمات اقتصادية، وتحولات تكنولوجية غير مسبوقة، وتغيرات اجتماعية وديموغرافية متسارعة، يبرز سؤال جوهري: كيف يمكن للحكومات أن تظل قادرة على القيادة وصناعة المستقبل؟ من دبي، تحاول القمة العالمية للحكومات 2026 أن تقدم إجابات عملية لهذا السؤال، عبر منصة دولية تجمع صناع القرار والعقول المؤثرة لرسم ملامح حكومات الغد.
تنطلق القمة العالمية للحكومات في دورتها الجديدة خلال الفترة من 3 إلى 5 فبراير في دبي، تحت شعار «استشراف حكومات المستقبل»، بأجندة تعكس حجم التحولات العالمية الكبرى، وتسعى إلى قراءة التغيرات المتلاحقة في مختلف القطاعات الحيوية، من منظور استشرافي يوازن بين التحديات والفرص، ويعيد تعريف دور الحكومات في تعزيز التنمية وضمان الاستقرار والازدهار للمجتمعات.
مشاركة غير مسبوقة
تأتي القمة هذا العام بمشاركة غير مسبوقة، هي الأكبر في تاريخها، حيث تجمع أكثر من 6250 مشاركاً من صناع القرار وقادة الفكر والخبراء العالميين. ويشارك في أعمالها أكثر من 60 رئيس دولة وحكومة ونوابهم، إلى جانب أكثر من 500 وزير، وممثلين عن أكثر من 150 حكومة حول العالم، ما يعكس المكانة التي باتت تحتلها القمة كمنصة دولية جامعة للحوار الحكومي.
وتتوزع أعمال القمة على أكثر من 445 جلسة حوارية ونقاشية، يشارك فيها أكثر من 450 شخصية عالمية من رؤساء دول ووزراء وخبراء ومفكرين وصناع قرار، إضافة إلى أكثر من 700 رئيس تنفيذي لكبرى المؤسسات والشركات العالمية، و150 عالماً حائزاً جائزة نوبل وغيرها من الجوائز العلمية المرموقة، فضلاً عن مشاركة أكثر من 100 منظمة دولية وإقليمية ومؤسسات أكاديمية وبحثية. وتحظى القمة كذلك بتغطية إعلامية واسعة، بمشاركة أكثر من 840 إعلامياً و44 شريكاً إعلامياً من مختلف أنحاء العالم.
جوائز عالمية
وتقدم القمة هذا العام أربع جوائز عالمية، تشمل جائزة أفضل وزير في العالم، والجائزة العالمية للحكومة الأكثر تطوراً، وجائزة دبي الدولية لأفضل ممارسات التنمية المستدامة، وجائزة المعلم العالمية، في خطوة تهدف إلى تسليط الضوء على النماذج الحكومية الرائدة والممارسات المؤثرة في مختلف المجالات.
وأكد محمد عبدالله القرقاوي، وزير شؤون مجلس الوزراء رئيس القمة العالمية للحكومات، أن القمة تستقطب في دورتها الجديدة المشاركة القيادية الأكبر في تاريخها، لما أصبحت تمثله من أهمية متزايدة لحكومات العالم كمنصة لاستشراف المستقبل وتعزيز الاستباقية والجاهزية. وأوضح أن العالم لا يمر بتحولات عابرة، بل يعيش مرحلة إعادة تشكيل شاملة للنظم التقليدية، ما يستدعي من الحكومات التحرك بسرعة أكبر، وتبني التفكير الجماعي، والانتقال من منطق رد الفعل إلى منطق صناعة المستقبل.
تجمع دولي
لا تبدو القمة العالمية للحكومات 2026 مجرد تجمع دولي تقليدي بقدر ما تشبه خريطة ذهنية مفتوحة لعالم يعيش لحظة انتقالية حاسمة. فمع تسارع التحولات الجيوسياسية، واشتداد المنافسة الاقتصادية، وتقدم التكنولوجيا بوتيرة غير مسبوقة، تتحول القمة إلى مساحة اختبار حقيقية للأفكار، ومختبر عالمي يعيد فيه القادة وصناع القرار التفكير في مفاهيم الحكم، ودور الدولة، وحدود السيادة، وعلاقة الحكومات بالمجتمع والاقتصاد والتكنولوجيا.
على مدى ثلاثة أيام، تحتضن دبي أجندة حافلة بالجلسات الحوارية والكلمات الرئيسية التي يشارك فيها رؤساء دول وحكومات، ورؤساء وزراء، وقادة مؤسسات دولية، وخبراء اقتصاد وتكنولوجيا، في مشهد يعكس تعددية الرؤى وتنوع التجارب، ويؤكد مكانة القمة كمنصة دولية لصياغة الأسئلة الصعبة قبل البحث عن الإجابات.
تجمع قادة
يحمل اليوم الأول من القمة طابعاً سيادياً واضحاً، مع سلسلة جلسات تجمع قادة دول يمثلون نماذج مختلفة للحكم والتنمية. وتبدأ النقاشات بجلسات حوارية مع غي بارميلين، رئيس الاتحاد السويسري، وألار كاريس، رئيس إستونيا، حيث تتقاطع التجربتان في إدارة الدولة الصغيرة ذات التأثير الكبير، والاعتماد على الحوكمة الرشيدة والتحول الرقمي كرافعة للثقة والفعالية. وتبرز كلمات رئيسية لكل من الدكتورة فيوسا عثماني، رئيسة كوسوفو، وتايي أتسكي سيلاسي، رئيس جمهورية إثيوبيا، لتفتح نقاشاً أوسع حول بناء الدولة في بيئات إقليمية معقدة، وإدارة التوازن بين الاستقرار السياسي والتنمية الاقتصادية في ظل تحديات داخلية وضغوط دولية متزايدة.
رسم موازين
وفي السياق العربي، تحضر جلسة رئيس وزراء لبنان الدكتور نواف سلام، إلى جانب جلسة مع أحمد أبو الغيط، الأمين العام لجامعة الدول العربية، لتناقش واقع العمل العربي المشترك، وحدود الدور الإقليمي في عالم يعاد فيه رسم موازين القوة. كما تشهد القمة مشاركة ليز تراس، رئيسة وزراء المملكة المتحدة السابقة، في جلسة تستعرض تحولات القيادة السياسية في الديمقراطيات الغربية.
وتكتسب جلسة كريستالينا جورجيفا، المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، أهمية خاصة، إذ تضع الاقتصاد العالمي تحت المجهر، وتناقش كيفية تعامل الحكومات مع التضخم، والدين، وعدم اليقين المالي، في وقت تتقاطع فيه السياسة بالاقتصاد بشكل غير مسبوق.
لا تنفصل السياسة في القمة عن الاقتصاد، حيث تطرح جلسات رئيسية أسئلة جوهرية حول الاستثمار، والتجارة، والابتكار. وتجمع جلسة «هل تصبح الابتكارات التكنولوجية أصولاً سيادية؟» قيادات من IBM وEricsson، لتناقش كيف باتت التكنولوجيا جزءاً من الأمن الوطني والقدرة التنافسية للدول.
وفي جلسة «كيف نضمن بقاء العالم متصلاً؟» يتناول الرئيس التنفيذي لشركة Airbus مستقبل الطيران والربط العالمي، فيما يطرح مختار ديوب، المدير العام لمؤسسة التمويل الدولية، في جلسة أخرى سؤالاً محورياً: هل النمو الاقتصادي خيار حكومي أم فرصة استثمارية؟
وتأخذ التكنولوجيا بعداً أكثر عمقاً في جلسة «كيف سيفكر الذكاء الاصطناعي؟»، التي تجمع قيادات من Microsoft وGoogle DeepMind، لتناقش حدود الذكاء الاصطناعي، ومسؤولية الحكومات في تنظيمه، وتداعياته على سوق العمل وصنع القرار.
ترسم السياسات
تحضر إفريقيا بقوة في أعمال القمة، سواء عبر جلسة «هل سيكون العقد القادم إفريقياً؟» التي يشارك فيها رؤساء بوتسوانا وسيراليون وزيمبابوي، أو عبر جلسة «كيف ترسم السياسات الحكومية مستقبل الاستثمار في إفريقيا؟» التي تجمع قادة من تنزانيا وأنغولا وغانا، إلى جانب رئيس مجموعة البنك الإفريقي للتنمية.
وفي المقابل، تفتح جلسات «الفصل القادم لأمريكا اللاتينية» و«مستقبل الاستثمار من منظور إفريقي» نقاشاً حول موقع الجنوب العالمي في النظام الاقتصادي الجديد، وكيف يمكن للدول النامية أن تتحول من ساحات للتنافس الدولي إلى فاعلين مؤثرين في صياغة المستقبل.
ينتقل اليوم الثاني من القمة إلى مساحات أكثر جرأة، حيث تطرح جلسات تتجاوز السياسة التقليدية نحو أسئلة وجودية حول مستقبل الإنسان، من «كيف سيصبح شكل الإنسان في الخمسين سنة القادمة؟» إلى «هل تستطيع الحكومات مواكبة خيال الإنسان؟»، تتقاطع العلوم الحيوية، والتكنولوجيا، والفلسفة، في نقاشات غير مألوفة في المحافل الحكومية.
ويبرز حضور الذكاء الاصطناعي كخيط ناظم لليوم الثاني، سواء في جلسات حوارية أو منتديات متخصصة تناقش الاقتصاد الرقمي، والحكومة الذكية، والحوكمة المسؤولة للتكنولوجيا، ما يعكس إدراكاً متزايداً بأن مستقبل الحكم بات مرتبطاً بقدرة الدول على إدارة الثورة التكنولوجية لا مجرد استهلاكها.
مستقبل الدبلوماسية
في جلسة «إعادة ضبط المشهد الجيوسياسي»، يلتقي الدكتور أنور قرقاش مع مايك بومبيو، في حوار يعكس تعقيدات النظام الدولي، وتراجع الأحادية القطبية، وصعود التحالفات المرنة. وتطرح الجلسة أسئلة حول مستقبل الدبلوماسية، ودور الدول المتوسطة، وكيف يمكن تفادي الانزلاق إلى صراعات مفتوحة في عالم تتعدد فيه مراكز القوة.
يأخذ اليوم الأخير طابعاً تأملياً واستشرافياً، مع جلسات تناقش «كيف تصنع الدول نجاحها»، و«دور الحكومات في التحول السكاني»، و«المستقبل الرقمي... من يصنعه؟». ويبرز حضور الفريق سمو الشيخ سيف بن زايد آل نهيان في جلسة رئيسية تؤكد أهمية الأمن بمفهومه الشامل، كركيزة للاستقرار والتنمية. كما تتوسع النقاشات لتشمل مستقبل الصحة، والطاقة، والاقتصادات الناشئة، في محاولة لربط السياسات العامة بجودة الحياة، والاستدامة، والعدالة بين الأجيال.
علاقات متنامية
تبرز العلاقة المتنامية بين الحكومات والقطاع الخاص بوصفها أحد المحاور غير المعلنة للقمة، إذ تتقاطع رؤى الرؤساء وصناع السياسات مع قادة كبرى الشركات العالمية في جلسات تبحث تحويل الابتكار إلى قيمة اقتصادية، وبناء نماذج شراكة قادرة على تسريع التنمية دون الإخلال بالمسؤولية الاجتماعية. وتكشف هذه النقاشات عن تحول نوعي في دور الحكومات من منظم ومراقب إلى شريك وممكن ومحفز للنمو.
كما تعكس القمة إدراكاً متزايداً لأهمية الإنسان كعنصر محوري في معادلة المستقبل، وهو ما يظهر بوضوح في التركيز على محاور الرفاه وجودة الحياة، ومستقبل الصحة، والتعليم، والعمل. فالتحولات التكنولوجية والاقتصادية، مهما بلغت سرعتها، تبقى بلا معنى إن لم تُترجم إلى سياسات تعزز كرامة الإنسان وتوسّع خياراته وتضمن عدالة الوصول إلى الفرص، وهو ما تحاول القمة طرحه كأحد معايير نجاح الحكومات في المستقبل.
نقاشات موسعة
لا يمكن فصل النقاشات الموسعة حول الذكاء الاصطناعي عن الأسئلة الأخلاقية والتنظيمية التي تفرض نفسها بقوة على أجندة القمة. فبين التفاؤل بقدرات التكنولوجيا على تحسين كفاءة الحكومات، والقلق من اتساع الفجوات الرقمية ومخاطر فقدان الوظائف والخصوصية، تسعى الجلسات إلى بناء تصور متوازن يضع الإنسان في قلب التحول الرقمي، ويؤسس لحوكمة عالمية مسؤولة للتكنولوجيا. وفي المحصلة، تبدو القمة العالمية للحكومات 2026 أقرب إلى مساحة تفكير جماعي مفتوحة منها إلى حدث بروتوكولي عابر. فهي تجمع تجارب متباينة، وتطرح رؤى متقاطعة، وتكشف عن قاسم مشترك واحد: عالم يتغير أسرع من أن تُدار شؤونه بالأدوات القديمة. ومن دبي، تحاول القمة أن تقول إن مستقبل الحكومات لن يُصاغ بقرارات منفردة، بل بحوار عالمي مستمر، وقدرة على التعلم، واستعداد دائم لإعادة الابتكار.
أبرز القضايا
تتميز أجندة القمة هذا العام باتساعها وتنوعها، حيث تشمل 25 منتدى عالمياً تركز على أبرز القضايا المرتبطة بمستقبل الإنسان، إلى جانب عقد أكثر من 45 اجتماعاً وزارياً واجتماعات رفيعة المستوى. وترتكز النقاشات على خمسة محاور رئيسية تشمل: الحوكمة العالمية والقيادة الفعالة، الرفاه المجتمعي وتنمية القدرات البشرية، الازدهار الاقتصادي والفرص الناشئة، مستقبل المدن والتحولات السكانية، إضافة إلى الآفاق المستقبلية والفرص القادمة.
وفي إطار سعيها لتقديم مخرجات عملية قابلة للتنفيذ، تصدر القمة 36 تقريراً استراتيجياً بالتعاون مع شركاء المعرفة الدوليين من مراكز الفكر والمؤسسات الأكاديمية والبحثية، بهدف تحليل التوجهات العالمية في مختلف القطاعات، وتقديم رؤى وسياسات تساعد الحكومات على تعزيز جاهزيتها واستباقها للمستقبل. كما تتضمن أعمال القمة النسخة الثالثة من «المسح العالمي للوزراء»، الذي يستطلع آراء الوزراء حول العالم بشأن أبرز القضايا الدولية الملحة، بما يسهم في تحديد أولويات التنمية وصياغة سياسات عامة أكثر فاعلية.
حضور مكثف
تكتسب القمة بعداً إضافياً من خلال الحضور المكثف للعلماء والباحثين، خصوصاً ضمن أعمال القمة العالمية للعلماء ومنتدى العلماء الشباب، حيث يتحول النقاش من السياسات إلى الأسئلة العلمية الكبرى التي ستحدد شكل العالم في العقود المقبلة. مشاركة علماء حائزين جوائز نوبل وخبراء في الفيزياء والرياضيات والذكاء الاصطناعي والعلوم الحيوية تعكس إدراكاً متزايداً لدى الحكومات بأن القرارات المستقبلية لن تُصاغ فقط في الغرف السياسية، بل في المختبرات ومراكز البحث والابتكار.
أسئلة كبرى
في مجملها، لا تقدم القمة العالمية للحكومات 2026 إجابات جاهزة، بقدر ما تطرح أسئلة كبرى، وتفتح مساحات للحوار بين عوالم السياسة والاقتصاد والعلم والمجتمع. إنها ليست مؤتمراً للاحتفاء بالنجاحات فقط، بل منصة لمواجهة القلق العالمي، ومحاولة جماعية لفهم ما يعنيه أن تحكم دولة في عالم سريع التغير، متشابك المصالح، ومتعدد المسارات.
بهذا المعنى، تتحول القمة إلى مرآة لعالم يعاد تشكيله، وإلى محاولة واعية لصناعة مستقبل لا تفرضه الأزمات، بل تصنعه الرؤية والتعاون والاستباق.
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة صحيفة الخليج ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من صحيفة الخليج ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
