اقتصاد / صحيفة الخليج

«أبل» وجهاز التلفاز.. المؤجل

عندما نفكر في القطعة التكنولوجية الأكثر مركزية في منازلنا، قد يتبادر إلى الذهن الكمبيوتر أو الهاتف الذكي. لكن الحقيقة، قديماً وحديثاً، أن التلفاز هو قلب التجربة المنزلية. كان كذلك قبل خمسين عاماً، ولا يزال اليوم، بل ربما بات أكثر حضوراً مع صعود منصات البث، وألعاب الفيديو، وحتى «».
والمفارقة الصادمة أن سوق أجهزة التلفاز نفسها باتت تجربة سيئة على نحو لافت. يكفي أن تشغّل جهازك لتواجه أحد مشهدين: نافذة تطلب تحديثاً برمجياً، أو شاشة رئيسية مزدحمة بتطبيقات غير مرغوب فيها، وإعلانات. لكن، لم يكن الأمر كذلك دائماً. فمنذ الثمانينيات والتسعينيات، تحولت أجهزة التلفاز من صناديق ضخمة بشاشات صغيرة مقوسة إلى شاشات أكبر، وأكثر تسطيحاً. آنذاك، كانت «سوني» في ذروة مجدها، وكانت علامة «ترينترون» الأسطورية، التي تعود إلى أواخر الستينيات، تتربع على عرش الجودة والفخامة. أذكر زياراتي المتكررة لمتاجر الإلكترونيات، ورغبتي الشديدة في اقتناء أحدث وأفضل منتجات هذه العلامة. يمكن القول إنها كانت «أبل» عصرها، إن صحّ التعبير.
لذلك جاء خبر تخلّي «سوني» عن صناعة التلفزيون صادماً إلى حد بعيد. صحيح أن الشركة حوّلت النشاط إلى مشروع تجاري مشترك مع «تي سي إل» الصينية TCL، لكن السيطرة ستكون للأخيرة في نهاية المطاف. نعم، إنها نهاية حقبة بكل معنى الكلمة.
لم تعد «سوني» ذاك اللاعب المهيمن في القطاع، منذ مدة ليست بالقصيرة. وتحتل اليوم المركز الخامس كأكبر شركة من حيث الإيرادات، خلف «سامسونغ»، و«تي سي إل»، و«إل جي»، و«هايسنس». وكانت «تي سي إل» بالفعل ثاني أكبر شركة في السوق، ولكن بانضمام سوني، ستقترب كثيراً من «سامسونغ»، المتصدرة بفارق كبير. وسيؤدي ذلك أيضاً إلى ظهور خمسة لاعبين رئيسيين من الشركات الكورية والصينية، مع وجود «» بالقرب من «سوني». وفي النتيجة، اختفت تقريباً، وهي التي لطالما صالت وجالت في سوق التلفاز، على مرّ السنين. أما الولايات المتحدة، التي أطلقت الصناعة عبر «آر سي إيه»، في أواخر الثلاثينيات، وهيمنت لعقود، فلم يبقَ لها سوى لاعب واحد منخفض الكلفة، هو أجهزة «فيزيو» المملوكة الآن لوولمارت، والمصنَّعة بالطبع في آسيا. فمنذ ستينيات القرن الماضي، ومع انتقال الدفة إلى اليابان، خرجت أمريكا، عملياً، من السباق. والأسباب معقدة، لكن جوهرها أن الصناعة انزلقت إلى «سباق نحو القاع»، لتصبح، كما هو شائع، مجالاً تجارياً متدني الهوامش.
وهنا نصل إلى «أبل». صحيح أنها لا تُصنّع أجهزة التلفاز نفسها، لكنها تعمل قريباً من هذا المجال، وعلى مدى سنوات، تنبأ محللون بدخولها إليه. ولم تكن تلك التوقعات من فراغ، يكفي التذكير بأن جهاز «أبل تي في» كان حاضراً في العرض التقديمي الذي كشف فيه ستيف جوبز عن هواتف «آيفون». واصفاً الجهاز ب«الهواية» بالنسبة إلى الشركة، متوقعاً أن يكون ركيزة محتملة لأعمالها. لم تتحقق تلك الرؤية، ويعود ذلك، جزئياً، إلى أن «أبل» وجوبز كانا يعملان بوضوح خلف الكواليس على طموحات أوسع في مجال التلفاز، تشمل إنتاج محتوى تلفزيوني وسينمائي عبر خدمة «أبل تي في».
كان طموح جوبز، على غرار ما فعلته شركته مع الموسيقى من خلال جهاز «آيبود»، توحيد تجربة المحتوى التلفزيوني. لكن فشله في إنشاء منصة «آي تيونز» المهمة للسوق، ورفض لاعبين كبار، مثل «نتفليكس»، الانخراط في منظومة واحدة، أجهض . والنتيجة، تشرذم خدمات البث، وتجربة مستخدم مرهقة، وربما، وهذا الأهم، إغلاق الباب أمام دخول «أبل» سوق أجهزة التلفاز نهائياً.
ومن المؤكد أيضاً، أن هوامش الضعيفة لسوق التلفاز، التي تقارب 2% فقط، لم تشجع «أبل» على الانخراط في المشروع. فهل ستغامر اليوم، في عهد تيم كوك، بالانتقال من منتجات بهوامش تفوق 40% إلى حيّز ضعيف كهذا؟ بالطبع لا. لكنها، لو دخلت، لفعلت ذلك بطريقة مختلفة: أسعار أعلى، جودة أفضل، وتجربة مستخدم لا تُختزل في الإعلانات والتطبيقات المزعجة. ولو أمكن تحقيق هوامش تتراوح بين 15% و20%، فقد يكون ذلك مجدياً، لأسباب أبعد من الربح المباشر.
التلفاز لا يزال محور الاهتمام الرئيسي للمنزل. لكن مع حديث متزايد عن أجهزة منزلية جديدة من «أبل»، من شاشات ذكية، إلى كاميرات وأدوات أمنية، يُمكننا بالتأكيد طرح وجهة نظر مُقنعة.
وعلى الرغم من الضجيج السياسي حول الرسوم الجمركية، وإعادة التصنيع إلى الداخل، لا يبدو أن أحداً يولي اهتماماً للتكنولوجيا الجاثمة في غرفة المعيشة. وبالنسبة لي، لا يهم أين يُصنَّع التلفاز، بقدر ما تهمني التجربة. ولا أثق إلا بشركة واحدة تهتم بذلك، وهي «أبل».
لذا، هيا يا «أبل». أعلم أن الهوامش قاسية، لكنكم تبيعون بالفعل شاشات احترافية بأسعار فلكية، ومن دون تجربة مستخدم سيئة. هناك فرصة سانحة حقيقية هنا: جهاز تلفزيون من «أبل» يمكن أن يصبح مركز المنزل الذكي، وواجهة موحّدة لجميع الخدمات، وربما، يوماً ما، حلاً لفوضى المحتوى.

ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة صحيفة الخليج ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من صحيفة الخليج ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.

قد تقرأ أيضا