تشهد التجارة العالمية مرحلة إعادة تشكيل عميقة، لا تعني نهايتها بقدر ما تعكس انتقالها إلى نموذج جديد أكثر تعقيداً وتوازناً. فعلى الرغم من تصاعد التوترات الجيوسياسية، والحمائية التجارية، واضطراب سلاسل الإمداد، تشير البيانات الحديثة إلى أن الاقتصاد العالمي ما زال قادراً على توليد نمو تجاري قوي. وبينما كان النظام السابق قائماً على عولمة شبه موحدة، يتجه العالم اليوم نحو نموذج شبكي متعدد الأقطاب، تدعمه سلاسل إمداد ذكية ولوجستيات مرنة أصبحت عنصراً حاسماً في مستقبل النمو والتنافسية.
وفقاً لتقديرات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد)، وصل حجم التجارة العالمية إلى 35 تريليون دولار في عام 2025، وهو أعلى مستوى على الإطلاق. ومن المنتظر أن تنمو التجارة بنحو 7% خلال العام الجاري، مضيفة ما يقارب 2.2 تريليون دولار إلى القيمة الإجمالية للسلع والخدمات المتبادلة.
وخلال الربع الثالث من العام الماضي، ارتفعت التجارة العالمية بنسبة 2.5% مقارنة بالربع السابق، مدفوعة بنمو تجارة السلع بنحو 2% والخدمات بنسبة 4%. وعلى الرغم من تباطؤ الزخم في الربع الرابع، مع توقع نمو السلع 0.5% والخدمات 2%، تؤكد البيانات أن الطلب لا يزال مستقراً، وأن الزيادة الأخيرة تعود إلى ارتفاع أحجام الشحن لا إلى التضخم.
«رقعة التجارة»
في ظل هذا المشهد، تبرز رؤية «رقعة التجارة العالمية» كنموذج أكثر واقعية لمستقبل النظام التجاري. فبدلاً من الانقسام الحاد أو العودة الكاملة إلى نظام تجاري قائم على قواعد موحدة، يتشكل عالم متعدد العقد يسمح باستمرار النمو، لكن عبر مسارات جديدة. وتقوم هذه الرقعة على أربع كتل رئيسية:
*الولايات المتحدة التي تتجه إلى سياسات «أمريكا أولاً»، مع تدخلات صناعية تهدف إلى إعادة بناء القاعدة الإنتاجية المحلية، ما ينعكس في نمو تجاري متوقع بنحو 1.5% سنوياً فقط.
*الصين التي توازن بين الانخراط في بعض الاتفاقيات متعددة الأطراف وتعزيز الاكتفاء الذاتي، مع تعميق روابطها التجارية مع الجنوب العالمي، حيث أصبحت الشريك التجاري الأول لنحو نصف دول الجنوب العالمي.
*الدول التعددية مثل الاتحاد الأوروبي واليابان وكندا وأستراليا، إلى جانب اقتصادات ناشئة كالمكسيك وفيتنام وبيرو، والتي تعتمد على اتفاقيات تجارية مشتركة تحقق لها نمواً تجارياً أعلى من المتوسط العالمي حتى عام 2034.
*دول «بريكس+» باستثناء الصين، التي ترى في التجارة محركاً للنمو، لكنها أقل استعداداً للتنازل عن السيادة للدخول في اتفاقيات عميقة.
تحولات إقليمية تقود النمو
تُظهر بيانات «أونكتاد» أن شرق آسيا كان أقوى الأقاليم أداء، مع نمو الصادرات بنسبة 9% في العام الماضي مدعوماً بارتفاع التجارة البينية داخل الإقليم بنحو 10%. كما حققت أفريقيا نتائج قوية، حيث ارتفعت الواردات بنسبة 10% والصادرات 6%.
وعلى مستوى الدول، برزت الصين وكوريا الجنوبية والبرازيل وجنوب أفريقيا كمحركات رئيسية للنمو، في حين توسعت تجارة «الجنوب–الجنوب» بنحو 8%، ما يعكس تنامي الوزن الاقتصادي للأسواق الناشئة في التدفقات التجارية العالمية.
القطاعات الرابحة
قطاع التصنيع ظل محركاً أساسياً، مسجلاً نمواً سنوياً قدره 10%، فيما قفزت تجارة الإلكترونيات بنسبة 14% بدعم من الطلب المرتبط بتقنيات الذكاء الاصطناعي. كما سجل القطاع الزراعي أداء قوياً، مع ارتفاع شحنات الحبوب والفواكه والخضراوات بنحو 11% لكل منها. في المقابل، تراجعت تجارة السيارات بنسبة 4%، وانخفضت تجارة الوقود الأحفوري مع تراجع أسعار الطاقة، على الرغم من تسجيل نمو إيجابي في تجارة الغاز الطبيعي المسال وطاقة الرياح.
سلاسل الإمداد
تشكل سلاسل الإمداد العمود الفقري لهذا التحول. فبحسب بيانات البنك الدولي، تمثل التجارة في السلع والخدمات نحو 52% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، بينما تشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن تحسين كفاءة سلاسل الإمداد يمكن أن يرفع حجم التجارة بنحو 25%.
غير أن الأزمات كشفت هشاشة الاعتماد على مصادر محدودة، ما دفع الشركات إلى تبني استراتيجيات تنويع الموردين، وإعادة التوطين القريب، والاستثمار في أنظمة رقمية متقدمة. ويتوقع المنتدى الاقتصادي العالمي أن تتطلب 50% من وظائف سلاسل الإمداد بحلول عام 2035 مهارات رقمية وتحليلية متقدمة.
الاستدامة والمخاطر
تؤدي الاستدامة دوراً متزايد الأهمية؛ إذ تتوقع «أونكتاد» أن تدمج أكثر من 60% من الشركات متعددة الجنسيات أهداف الحياد الكربوني في إدارة سلاسل الإمداد بحلول عام 2030.
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة صحيفة الخليج ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من صحيفة الخليج ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
