عرب وعالم / الامارات / صحيفة الخليج

حكومات العالم..هل تواكب خيال الإنسان؟

لم يعد التواصل في القرن الحادي والعشرين مجرد أداة لنقل الرسائل أو تبادل المعلومات، بل تحوّل إلى بنية تحتية غير مرئية تعيد تشكيل الوعي الإنساني، والعلاقات الاجتماعية، وأنماط الحكم والاقتصاد. ومع التسارع غير المسبوق في تطور الذكاء الاصطناعي، وواجهات الدماغ الآلي، والاتصالات الكمية، يبرز سؤال جوهري: هل دخلنا بالفعل مرحلة يتجاوز فيها التواصل حدود القدرات البشرية التقليدية؟ والأهم: هل تستطيع حكومات العالم، بأنظمتها ومؤسساتها الحالية، مجاراة خيال الإنسان المتسارع؟
على مدى العقود الخمسة المقبلة، يُتوقع أن يشهد مفهوم التواصل تحولاً جذرياً. فبدلاً من الاعتماد على اللغة المنطوقة أو المكتوبة، تتجه الأبحاث نحو نقل الأفكار والمشاعر مباشرة عبر إشارات عصبية، أو عبر وسائط رقمية تدمج بين الواقعين المادي والافتراضي. ومع تطور تقنيات الواقع الممتد (XR) والذكاء الاصطناعي التوليدي، لن يعود الإنسان متلقياً للمعلومة فحسب، بل شريكاً نشطاً في تشكيلها لحظياً.
هذا التحول لا يوسّع فقط قدرات الفرد، بل يعيد تعريف معنى «الحدود البشرية» نفسها. فالفروق بين الإنسان والآلة، وبين الذكاء الطبيعي والاصطناعي، مرشحة للتلاشي تدريجياً، ما يفتح آفاقاً غير مسبوقة للإبداع، لكنه يطرح في الوقت ذاته تحديات أخلاقية وتنظيمية عميقة.
فجوة متسعة
في مقابل هذا التسارع التكنولوجي، تسعى الحكومات لمواكبة الحدث، على الرغم من أنها مقيدة نسبياً بالأطر القانونية التقليدية، وباعتبارات السيادة والأمن والخصوصية. فبينما يتقدم الابتكار مدفوعاً بخيال الأفراد والشركات العابرة للحدود، لا تزال العديد من الدول تكافح لتحديث تشريعاتها بما يتلاءم مع واقع رقمي متغير باستمرار.
وتكمن الإشكالية الأساسية في أن أدوات الحكم صُممت لعصر مختلف، عصر كانت فيه الحدود واضحة، والفاعلون محددين، والتكنولوجيا قابلة للاحتواء. أما اليوم، فإن منصات التواصل العالمية، والذكاء الاصطناعي اللامركزي، والاقتصاد الرقمي، تفرض نماذج جديدة للحكم تتطلب مرونة وسرعة في اتخاذ القرار، فضلاً عن تعاون دولي غير مسبوق.
هوية جديدة
إذا كان التواصل هو ما يشكّل المجتمعات، فإن تطوره سيعيد تشكيل الإنسان نفسه. وخلال الخمسين عاماً المقبلة، يُرجح أن تتغير مفاهيم الهوية، والعمل، والتعليم، وحتى الوجود الاجتماعي. فمع اندماج التكنولوجيا في الجسد والعقل، قد يصبح الوصول إلى المعرفة فورياً، وتتحول المهارات الذهنية إلى مورد قابل للتعزيز أو التعديل.
غير أن هذا المستقبل لا يخلو من المخاطر. فالتفاوت في الوصول إلى هذه التقنيات قد يعمّق الفجوة بين المجتمعات، بل وبين الأفراد داخل المجتمع الواحد. كما أن السيطرة على أدوات التواصل المتقدمة قد تمنح نفوذاً غير مسبوق لجهات محددة، سواء أكانت دولاً أو شركات تكنولوجية عملاقة.
أي دور للحكومات
في هذا السياق، لم يعد دور الحكومات مقتصراً على التنظيم أو الرقابة؛ بل بات مطلوباً منها أن تكون شريكاً فاعلاً في صياغة المستقبل. ويتطلب ذلك الاستثمار في البحث العلمي، وتحديث الأطر التشريعية، وبناء نماذج حوكمة مرنة تستبق التحولات بدلاً من الاكتفاء بردّ الفعل.
فالسؤال لم يعد ما إذا كان خيال الإنسان سيتجاوز قدرات الحكومات،؛ بل ما إذا كانت هذه الحكومات قادرة على إعادة ابتكار نفسها، لتبقى ذات صلة بعالم يتغير بوتيرة غير مسبوقة.
يمكن القول إن مستقبل التواصل هو مرآة لمستقبل الإنسانية نفسها، إما أن يكون أداة للتحرر والتكامل، أو مصدراً لانقسامات جديدة. والفيصل في ذلك لن يكون التكنولوجيا بحد ذاتها؛ بل قدرة الإنسان، ومؤسساته، على توجيهها بحكمة ومسؤولية.

ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة صحيفة الخليج ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من صحيفة الخليج ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.

قد تقرأ أيضا