عرب وعالم / الامارات / الامارات اليوم

الضغط عبر .. واشنطن تختبر نفوذها من «الأميركتين» إلى أوروبا

سيظل النفط والغاز عاملين حاسمين في تشكيل القضايا الدولية خلال العقود المقبلة، وقد جسّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب هذه الحقيقة بوضوح من خلال إعادة صياغة القواعد والمعايير الدولية، وإخضاعها لمنطق أسواق وموازينها، حيث انتقل التعامل مع الطاقة من إطارها الاقتصادي البحت إلى كونها أداة سياسية صريحة للضغط.

وبعد اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، أعلن ترامب صراحة نية بلاده «حكم »، بما في ذلك قطاعها النفطي الضخم. وبعد سنوات طويلة من العقوبات المشددة والإجراءات الأمنية التي كبّلت البلاد، أُعلن عن إعادة تشغيل صناعة النفط الفنزويلية وفق الشروط الأميركية، وبدعم من رؤوس أموال متوقعة من شركات النفط الكبرى تقدر بنحو 100 مليار دولار.

وقد بدا الحديث عن إحياء الإنتاج النفطي في فنزويلا طموحاً أكثر من اللازم، إلى أن وافقت كاراكاس على شحن نفط خام بقيمة ملياري دولار، عقب مصادرة ناقلات نفط جعلت كلفة الرفض باهظة للغاية. وهنا اتضح أن الولايات المتحدة لم تعد تكتفي بإدارة السوق من خلف الستار عبر الحلفاء وآليات السوق، بل باتت تستخدم النفط علناً كونه وسيلة ضغط مباشرة.

تحول واضح

ولعقود طويلة، دأب المسؤولون الأميركيون على التأكيد بأن أسواق الطاقة، لا مصادر الطاقة الخام نفسها، هي التي تتحكم في العرض والطلب. إلا أن الواقع الحالي يشير إلى تحول واضح، حيث أصبحت المواد الهيدروكربونية تُستخدم أداة ضغط سياسي واقتصادي.

ويرى المشككون أن هذه الاستراتيجية مبالغ في تقدير فعاليتها، نظراً لأن النفط الفنزويلي ثقيل وعالي الكلفة، في وقت تدور فيه الأسعار العالمية حول 60 دولاراً للبرميل، كما أن شركات النفط الكبرى تتسم بحذر شديد في قراراتها الاستثمارية.

ورغم صحة هذه الملاحظات، فإنها لا تمس جوهر المسألة، لأن الضغط في مجال الطاقة لا يستلزم بالضرورة قطع الإمدادات كلياً.

فهذا النوع من الضغط يعتمد على انتقائي للقوانين، وإشاعة حالة من عدم اليقين، وفرض قيود على الشحن والتأمين. وقد استمرت هذه الإجراءات القسرية في فنزويلا حتى بعد تراجع الاهتمام الإعلامي، ما أدى إلى تعطيل الإمدادات المتجهة إلى آسيا، وكشف مليارات الدولارات من الاستثمارات الصينية للمخاطر.

وفي السياق ذاته، وُجّهت تحذيرات إلى كوبا، التي تعتمد بدرجة كبيرة على استيراد النفط من الخارج، مفادها بأن شحنات النفط لن تصل إلى أراضيها إلا وفق الشروط التي تضعها واشنطن. وهكذا تحولت المنطقة إلى ساحة اختبار لمدى قدرة النفوذ في قطاع الطاقة على ممارسة الضغط السياسي قبل أن ترضخ الحكومات المعنية.

الهدف الحقيقي

وبناءً على ذلك، يمكن اعتبار الأميركتين بمنزلة مرحلة تجريبية، في حين أن الهدف الحقيقي يتمثل في أوروبا، التي تعاني نقصاً حاداً في موارد الطاقة، سواء النفط أو الغاز. فقد أنهت الحرب الروسية على أوكرانيا، قبل نحو أربع سنوات، عقوداً طويلة من اعتماد أوروبا على الطاقة الروسية.

وكان الانفصال عن هذا الاعتماد مكلفاً للغاية، حيث بلغ متوسط كلفته نحو 1500 دولار أميركي لكل فرد أوروبي، لكنه اعتُبر ثمناً لا بد من دفعه للتحرر من الهيمنة الروسية في مجال الطاقة.

وسرعان ما تدفق الموردون الأميركيون إلى السوق الأوروبية، حتى باتت الولايات المتحدة تنافس النرويج كونها مصدراً رئيساً للنفط داخل الاتحاد الأوروبي، كما أصبحت تزود القارة العجوز بنحو 60% من احتياجاتها من الغاز الطبيعي المسال.

وطمأنت أوروبا نفسها بالاعتقاد أن الولايات المتحدة حليف استراتيجي تحكم العلاقة معه قواعد ضبط النفس المتبادل والقيم المشتركة. غير أن هذا الافتراض بات محل تساؤل، خصوصاً في ظل سياسات ترامب تجاه أوروبا، والتي توحي بعدم اكتراثه بتلك القواعد أو القيم المشتركة.

سلاح سياسي

وكشفت التعريفات الجمركية التي فرضها ترامب مدى سهولة تحويل العلاقات الاقتصادية إلى سلاح سياسي. ومع تصاعد التوترات مع وغرينلاند، وجد الأوروبيون أنفسهم أمام سؤال مقلق: إذا استُخدمت الطاقة ورقة ضغط، فهل سينتهج ترامب أسلوباً مشابهاً لنهج الرئيس الروسي فلاديمير بوتين؟

ويزداد هذا الخطر مع مرور الوقت، حيث تواجه أوروبا احتمال حصار مزدوج في مجال الطاقة: الأول من روسيا، والثاني من الولايات المتحدة. وسيكون اقتصادها، الذي لم يتعافَ بعد بشكل كامل من تداعيات الحصار الروسي، عرضة لصدمة جديدة غير معروفة العواقب.

وفي الواقع هناك ضعف بنيوي داخل الاتحاد الأوروبي نفسه، حيث يتم شراء الطاقة على المستوى الوطني لا الجماعي، ما يفتح الباب أمام إضعاف التضامن بين الدول الأعضاء تحت وطأة الضغوط. كما أن مواجهة الضغط بضغط مماثل قد يؤدي إلى تصعيد يصب في نهاية المطاف في مصلحة واشنطن.

ومع ذلك، يشير التاريخ إلى أن الضغط الصريح نادراً ما يحقق نتائج إيجابية؛ ففي تسعينات القرن الماضي، حاولت الولايات المتحدة فرض نفوذها في أفغانستان لتأمين مسارات عبور الطاقة، وهو ما أدى إلى عقدين من الحرب العنيفة التي أودت بحياة كثيرين دون تحقيق الهدف المنشود. وفي نهاية المطاف انسحبت الولايات المتحدة، وما تغيّر منذ ذلك الحين لم يكن الهدف بقدر ما كان الأسلوب.

استمرار الضغوط

ومع تراجع واشنطن عن الالتزام بالعمل متعدد الأطراف، لاتزال أوروبا متجذرة في هذا النهج، ما يجعل الممارسات القسرية، مثل تقييد تدفقات الطاقة، تبدو انتهاكاً للأعراف الدولية، وتفرض كلفة سياسية وأخلاقية باهظة على من يمارسها.

ويتجلى هذا النهج بوضوح في أفغانستان، حيث يموّل الاتحاد الأوروبي مشروع ربط الطاقة بين آسيا الوسطى وجنوب آسيا، المعروف باسم «ممر الطاقة»، والذي يعتمد استمراره على مدى امتثال حكومة كابول لشروط المجتمع الدولي. ويواصل الدبلوماسيون الأوروبيون الضغط والتواصل مع الحكومات الإقليمية ومنظمات المجتمع المدني لضمان استمرارية هذا المشروع، بما في ذلك التعاون مع رابطة العالم الإسلامي.

ورغم أن هذا النوع من الضغوط يبدو بطيئاً، فإنه مستمر ومتراكم، ويعمل عبر شبكات لا يمكن تعطيلها بمجرد إغلاق خط أنابيب.

وقد استخدمت أوروبا هذا الأسلوب من قبل، حيث تراجعت قدرة موسكو على التأثير في سوق الطاقة ليس فقط بفعل العقوبات، بل أيضاً التدقيق المستمر من قبل منظمات المجتمع المدني.

فقد كشفت مؤسسات مثل مركز أبحاث الطاقة والهواء النظيف، ومنظمة «غلوبال ويتنس»، أساليب التحايل على العقوبات، وحددت الجهات المتواطئة، وضغطت من أجل فرض سقوف لأسعار النفط وتشديد آليات إنفاذها. وهكذا أصبحت إجراءات - كانت تُعد في السابق غير واردة - جزءاً من الممارسات المعتادة.

ولا يتمثل الدرس المستفاد في أن الحوار يمكن أن يحل محل الضغط والقوة، بل في أن الضغط في حد ذاته يتخذ أشكالاً متعددة ومتفاوتة التأثير. وإذا أصبحت ممارسة الضغط في مجال الطاقة جزءاً من أدوات السياسة الأميركية، فعلى أوروبا أن تستعد من الآن، من خلال تعزيز الشراء الجماعي، وتوطيد التضامن الداخلي، والاستثمار في شراكات تمنحها نفوذاً يتجاوز حدود الأسواق التقليدية. عن «ذا هيل»


إشارة تحذيرية

أخطر ما يمكن أن تقع فيه أوروبا هو الاستمرار في تصديق الوهم القائل إن الولايات المتحدة ستظل دائماً شريكاً مرناً ومتسامحاً. وإذا انهار ضبط النفس الدولي، فلن تكون فنزويلا حالة استثنائية، بل إشارة تحذيرية وبداية فصل جديد في تاريخ العلاقات الدولية، تُقاس فيه القوة بمن يملك مفاتيح الطاقة.

. ترامب أعاد صياغة القواعد والمعايير الدولية، وإخضاعها لمنطق أسواق الطاقة وموازينها.

. إذا أصبحت ممارسة الضغط في مجال الطاقة جزءاً من أدوات السياسة الأميركية، فعلى أوروبا أن تستعد من الآن.

ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة الامارات اليوم ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من الامارات اليوم ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.

قد تقرأ أيضا