طوت الهيئة العامة للنقل صفحة المناداة في مهنة «الكدادة» وأعلنت أن المناداة أو ممارسة النقل دون ترخيص تُعد مخالفة صريحة وفق النظام الجديد للنقل البري، مؤكدة أن العقوبات قد تصل إلى 20 ألف ريال، مع حجز المركبة حتى 60 يوماً، وقد تمتد إلى بيعها في مزاد علني.
وبهذا، يغلق القرار ملفاً امتد لسنوات طويلة ارتبط خلالها الشارع السعودي بظاهرة «الكدادة» التي عُرفت بالمناداة في المواقف والأسواق والمطارات، حيث كانت الأصوات تتردد بعبارات صاخبة مثل: «واحد نفر.. جدة.. الرياض.. بطحاء.. الدمام» وغيرها، والبعض يسحب متعلقات من الراكب لتأمين مكانه في سيارته.
همس وتفاوض على المشاوير
«عكاظ» رصدت ميدانياً اختفاء هذا الصوت القوي الذي تزامن مع وصول السيارات خصوصاً «الشَفَر» و«الفورد (الفرت)»، وكانت أصواتهم العلامة الأبرز في ساحات المواقف والمطارات، إذ بات «الكدادون» اليوم يهمسون أمام مركباتهم بنبرة منخفضة، ساعين لكسب الزبائن بهدوء، انسجاماً مع التعليمات الجديدة، بينما لا يزال البعض خصوصاً في بعض المطارات والأسواق والمواقع التي تشهد وجوداً للمواطنين والمقيمين ينتظرون الركاب ويهمسون في قرب منهم بعبارات لا تُسمع إلاّ بعد أن تصغي الأذن له، يرددون «مشوار يـ الطيب»، «وش اسمك»؛ تفادياً لمساءلتهم من مراقبي هيئة النقل بحجة أنهم يعرفون بعضاً، ليتم التفاوض بهدوء أثناء السير على الأقدام.
ما إن اقتربنا من مواقف مكة حتى أمسك البعض بحقيبتنا لضمان التفاوض على مشوار الرحلة نحو الطائف بـ٦٠ ريالاً، وهذه إشارة واضحة للـ«كدّادة» الآخرين بعدم الاقتراب من هذا الزبون.
تلاشٍ تدريجي واختفاء مع الوقت
فيصل البقمي، الذي مارس المهنة 20 عاماً، ذكر أنه اعتاد المناداة المرتفعة في جدة ومكة والطائف بحثاً عن ركاب، بينما أكد محمد الزهراني، أن دخول التطبيقات غيّر السوق، غير أن فئات مثل كبار السن والعمالة ما زالت تعتمد عليهم، لافتاً إلى أن الأسعار ارتفعت بنحو 100% مقارنة بالسابق؛ فالرحلة من جدة إلى الطائف مثلاً تضاعف سعرها، وتزداد أكثر عند نقل راكب واحد.
أما عبدالله العتيبي فأشار إلى أن التشديد في المطارات وحول القطارات دفعهم للعمل في مواقع أخرى تفادياً للعقوبات، وأن «الكدّادة» اليوم يفضّلون المناداة الخفيفة بصوت خفيض والابتعاد عن سحب حقائب الركاب.
أوضح عدد من الرّكاب أنهم يلاحظون استمرار بعض «الكدّادة» المخالفين في المطارات يباغتونهم أثناء دخولهم صالات القدوم. ونوّه عبدالرحمن الروقي إلى أنه بمجرد وصوله إلى مطار الرياض، وجد «كدّاداً» ممسكاً بمسبحة في يده يفاوضه بصوتٍ خفيض لإيصاله بما يقارب ١٠٠ ريال، فرفض الركوب معه متجهاً لمحطة القطار بمبلغ أربعة ريالات. وأشار فهد الشهري إلى أنه بعد تنظيمات هيئة النقل يشعر بتلاشي ظاهرة المناداه تدريجياً، وتوقع طلال الغنامي اختفاءها مع الوقت بشكل تام.
ضبط السوق والحدّ من المنافسة
كشف أستاذ اقتصاديات التعليم المساعد الدكتور بدر سالم البدراني، أنه في ظل الجهود التنظيمية المتزايدة من الهيئة العامة للنقل للحد من الممارسات غير المرخَّصة في نقل الركاب، يأتي تنظيم نشاط «الكدادة» وتقييده بالتصاريح كخطوة مهمة لضبط سوق النقل غير النظامي وتحسين جودة الخدمة.
وتأتي هذه الإجراءات ضمن تطبيق أحكام النظام الجديد لنقل الركاب، الذي يشدد على منع مناداة أو ممارسة النقل دون ترخيص رسمي، ما يعزز السلامة ويحدّ من المنافسة غير المتكافئة.
وذكر البدراني أن أحدث البيانات الرسمية أظهرت أن خدمات تطبيقات النقل الذكي في السعودية شهدت نمواً لافتاً، ففي الربع الثاني من 2025م، سجلت هذه التطبيقات أكثر من 32 مليون رحلة، بزيادة 104% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، بوجود أكثر من 263,000 سائق مسجلين على المنصات الرقمية.
وفي الجانب الاقتصادي، أضاف الدكتور البدراني أن البيانات تشير إلى أن إيرادات القطاع عبر التطبيقات ارتفعت إلى نحو 2.3 مليار ريال في 2024م، مع نمو عدد السائقين السعوديين النشطين إلى أكثر من 332,000 سائق، لافتاً إلى أن هذا النمو يترجم فرصاً وظيفية كبيرة، خصوصاً مع تزايد الطلب على خدمات النقل المرخصة في المدن الكبرى مثل الرياض ومكة المكرمة والمنطقة الشرقية.
وبين أنه في ظل هذه التحولات، يمثل تنظيم مهنة «الكدادة» فرصة لإدماج العاملين في منظومة رسمية، ما يرفع مستوى الدخل، ويعزز الاستقرار المهني، ويدعم الاقتصاد الوطني من خلال توسيع قاعدة الإسهام في سوق النقل الرقمي.
دور محوري للإعلام
قال المحاضر بقسم الإعلام بجامعة الطائف الدكتور ناهس العضياني: إن الإعلام يلعب دوراً محورياً في التوعية بقرار وزارة النقل القاضي بمنع المناداة والنقل دون ترخيص، لما له من قدرة واسعة على الوصول إلى مختلف فئات المجتمع، فمن خلال القنوات التلفزيونية والإذاعية والصحف ومنصات التواصل الاجتماعي، يساهم الإعلام في شرح مضمون القرار وأهدافه.
وأضاف: «آثار القرار إيجابية على السلامة العامة وتنظيم قطاع النقل، كما يساعد في توضيح العقوبات المترتبة على المخالفين؛ ما يعزز الالتزام بالقوانين والأنظمة. ويؤدي الإعلام كذلك دوراً تثقيفياً
عبر توجيه المواطنين لاستخدام وسائل النقل المرخصة، وتشجيع السائقين على تصحيح أوضاعهم القانونية، بما يسهم في الحدّ من الفوضى وحماية حقوق الركاب والسائقين على حدٍ سواء».
حملات تفتيش وجودة خدمات
أعلنت الهيئة العامة للنقل استمرار حملاتها التفتيشية، إذ ضبطت خلال الفترة من 29 نوفمبر حتى 5 ديسمبر الماضي، 1,278 مخالفاً؛ بينهم 586 مارسوا الأعمال التحضيرية «المناداة» دون ترخيص، و692 نقلوا الركاب بسياراتهم الخاصة بطرق غير نظامية.
وأوضحت الهيئة أن هذه الجهود تهدف لتعزيز التنافسية في قطاع النقل والحد من الممارسات غير المشروعة التي تضر بجودة الخدمة وسلامة الركاب.
وأكدت أن النظام الجديد شدد على منع النقل دون ترخيص. وقد تصل الغرامة عند تكرار المخالفات إلى 11 ألف ريال مع حجز المركبة 25 يوماً لمن يمارس المناداة، وإلى 20 ألفاً مع الحجز لـ60 يوماً لمن يزاول النقل غير النظامي، مع إمكانية بيع المركبة وإبعاد غير السعودي عند تكرار المخالفة.
تجنُّب السلبيات وتطوير المهنة
أوضح الأخصائي الاجتماعي جالي العتيبي أن مهنة «الكدادة» من أقدم المهن التي كانت لها مكانتها، لما تقدمه من خدمات تسهّل تنقل الأفراد بين المدن والمحافظات وتعينهم في شؤونهم اليومية. وقد أولت الدولة هذه المهنة اهتماماً كبيراً بدءاً من التنظيم وإصدار التراخيص حتى تحديد نقاط تجمع في كل محافظة تُعرف بـ«الموقف».
وأفاد أنه من الطبيعي أن تتطور المهنة مع تطور الحياة، فبدأت خطوات التنظيم عبر استحداث مكاتب خاصة بالنقل البري تشرف عليها وزارة النقل، ويخضع العاملون فيها للاختبارات الأمنية للتحقق من سلامتهم النفسية والعقلية وما يضمن سلامة الركاب، قبل أن تتحول هذه المكاتب لاحقاً إلى شركات تقدم سيارات مجهزة بأدوات السلامة.
وأكد العتيبي أنه رغم انتشار التطبيقات الحديثة، لا تزال «الكدادة» مصدر رزق رئيسياً لبعض الأسر، وما زال «الكدادون» يمارسون أعمالهم في مواقعهم التقليدية، متحملين بعد المسافات وصعوبة الطرق، ومع ذلك ونتيجة لخطوات التنظيم التي استحدثت أخيراً، لا بد أن يتقيدوا بها ويسعوا لتنفيذها وينضموا إلى شركات ومؤسسات تمتهن القيادة لتصبح هذه المهنة أكثر احترافية، فنحن لا ننكر عليهم العمل في الكدادة لأنهم في فترة من الفترات قدموا الكثير ونشكرهم على ذلك ويستحقون التقدير والعرفان».
توتر وضغط بدني ونفسي
الأخصائية النفسية أمل الجهني قالت: «الكدّادة شريحة تعمل تحت ضغط الحاجة اليومية، ويسعون لتأمين دخل مستقر عبر جهد جسدي ونفسي كبير، خصوصاً بعد صدور التعليمات التي منعت المناداة العشوائية والدخول غير المصرح به للمطارات، مما أعاد صياغة طريقة عملهم وفرض عليهم التكيّف مع تنظيمات جديدة تهدف لحماية الركاب والسائقين».
وأكدت الجهني أنهم يعيشون مستوى مرتفعاً من الضغط البدني والانفعالي نتيجة ساعات القيادة الطويلة، وقلّة النوم، وتعدد جنسيات وثقافات الركاب، إضافة إلى تذبذب الدخل، وهذا الإرهاق قد يؤدي إلى ضعف التركيز والتوتر والشعور بالعزلة، رغم دورهم في تلبية احتياجات السفر داخل المدن وبينها.
وأضافت: «كثير منهم ما زالوا يمارسون المهنة بفضل خبرتهم ومعرفتهم بالطرق وثقة بعض الركاب بهم، كما أن التخفيف من الضغوط يتطلب تنظيم ساعات العمل والنوم، وأخذ فترات راحة، وتجنب القيادة عند الإرهاق، والابتعاد عن المواقف المستفزة، وشرب الماء وتناول وجبات خفيفة للحفاظ على التركيز، إلى جانب الاستماع لشيء مريح أثناء القيادة».
ورأت أن «تحسين ظروف عملهم وتبنّي ممارسات صحية يرفع جودة حياتهم ويدعم استمرار دورهم في منظومة النقل، فهم شريحة لا يمكن إغفالها».
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة عكاظ ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من عكاظ ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
